Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 391

Contributors:

P.391
كونه طريقا وعموم البلوى بها بعد ذلك لا يقضي بذكرها في الأخبار حال عدم الاحتياج هذا هو الوجه في خلو الأخبار عن بيانه ويدفعه أنه لو سلم جواز إهمال الشارع لحال التكليف في زمن الغيبة مع اشتداد الحاجة إليه نقول بعد انسداد باب العلم كان حاصلا بالنسبة إلى كثير من كان في أعصارهم عليهم السلام سيما من كان منهم في البلدان البعيدة والأقطار النائية مع شدة التقية وفي ملاحظة أحوال الرجال وما يرى من اختلافهم في الفتاوي أقوى دلالة عليه فمنع حصول الانسداد في تلك الأزمنة وإنكار شدة الحاجة إلى حكمه ضعيف فكيف يصح القول حينئذ بإجمالهم في بيان حكم المسألة وركونهم إلى مجرد حكم العقل مع عدم ما يشاهد من اختلاف العقول في الإدراكات الرابع أن الظنون مما يختلف الحال فيها بحسب اختلاف السلائق والأفهام فكيف يصلح أن يجعل مطلق الظن مناطا لاستنباط الأحكام وإلا لزم الهرج والمرج في الشريعة وعدم انضباط الأحكام الشرعية نعم ما كان من الطرق الظنية مضبوطة بعيدة عن الاضطراب كظنون الكتاب والسنة لم يكن مانع من حجيتها والاتكال عليها وفيه أن ذلك إن تم فإنما يتم بالنسبة إلى الظنون التي لا معيار لها كالأهواء والآراء والاستحسانات العقلية والوجوه التخريجية ولا كلام عندنا في عدم صحة الاستناد إليها وقضاء الإجماع بل الضرورة بعدم الاعتماد وأما ما سوى ذلك من الظنون فلا يجري فيها الوجه المذكور ويمكن دفعه بأن ذلك خلاف ما اختاروه فإنهم إنما يقولون بقضاء العقل بحجية الظن مطلقا وإنما قالوا بعدم جواز الاستناد إلى الظنون المذكورة لوجود المانع عنه وإلا فالمقتضى لجواز الاتكال عليها موجود عندهم حسبما قرروه والوجه المذكور يدفعه نعم يمكن أن يقال إنه ليس الكلام في بناء الشريعة على الظنون إلا حين انسداد سبيل العلم وحصول الضرر الملجئة إليها واختلافها في الانضباط وعدمه إنما يقضي بقوة المنضبط وضعف غيره وذلك إنما يقضي بعدم جواز الأخذ ما يضعف من التمكن من الأقوى ولا كلام فيه لتعين الرجوع إلى الأقوى حينئذ وأما مع عدم حصول الأقوى فلا ريب أن الأخذ بالضعيف أولى من الأخذ بخلافه وأقرب إلى إصابة الواقع فهو في حال الضرورة بالترجيح أخرى المفسدة اللازمة في الأخذ بخلافه أقوى هذا وربما استدل بعضهم في المقام بأنه لا دليل في الشرع على حجية مطلق الظن حين انسداد باب العلم وإنما الدليل عليه عند القائل به هو العقل وهو لا يفيد وجوب الأخذ به شرعا كما هو المقصود إذ الوجوب الشرعي لا يثبت بحكم الشرع دون العقل وهذا الوجه موهون جدا لأنه مبني على أصل فاسد مقطوع بفساده أعني نفي الملازمة بين العقل والشرع وإنكار كون العقل القاطع من أدلة الشرع وقد قرر وهنه في محله مستقصى ثم لنا طرق أخرى في المقام ووجوه شتى في تصحيح المرام فوضح القول في بيانها ونشير إلى ما يرد عليها وما به ويمكن دفعه عنها أحدها أنه لا ريب في كوننا مكلفين بأحكام الشريعة وإن لم يسقط عنا التكاليف والأحكام الشرعية في الجملة وأن الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به وسقوط التكليف هنا سواء حصل منه العلم بأداء الواقع أولا حسب ما مر تفصيل القول فيه وحينئذ نقول إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمة فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به وإن انسد علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل الظن بالتزامه في حكمه إذ هو الأقرب إلى العلم به فيتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن وبينهما بون بعيد إذ المعتبر في الوجه الأول هو الأخذ بما يظن كونه حجة لقيام دليل ظني على حجيته سواء حصل منه الظن بالواقع أولا وفي الوجه الثاني لا يلزم حصول الظن بالتزامه في حكم المكلف إذ لا يستلزم مجرد الظن بالواقع ظنا باكتفاء المكلف بذلك الظن في العمل سيما بعد ما ورد من النهي عن العمل بالظن والأخذ به فإذا تعين تحصيل ذلك بمقتضى حكم العقل حسبما عرفت لزم اعتبار أمر آخر يظن معه برضاء بالعمل به وليس ذلك إلا الدليل الظني الدليل على حجيته فكل طريق قام دليل ظني على حجيته واعتباره في نظر الشرع يكون حجة دون ما لم يقم عليه ذلك فإن قلنا إن قام أولا طريق مقرر من الشرع في الوصول إلى الحكم والحكم معه بتفريغ الذمة عن التكليف فلا كلام وإن لم يقم فالواجب أولا تحصيل العلم بالواقع فمع تعذره يثبت بناؤه الظن بالواقع أو يقال إنه إن لم يقم طريق مقرر من الشارع للوصول إلى الواقع كان العلم هو الواقع الطريق وإن قام اكتفي بما جعله طريقا فإن لم يثبت عندنا ذلك أو ثبت وانسد سبيل العلم به وكان المرجع هو العلم بالواقع إذ القدر المسلم من التكليف بالرجوع إلى الطريق إنما هو مع العلم به فبعد انسداد سبيل العلم به يرجع إلى الظن بالواقع حسبما قرروه قلت لا ترتيب بين تحصيل العلم بالواقع والعلم بالطريق المقرر من الشرع وليس تعين الرجوع إلى العلم مع عدم الطريق المقرر أو عدم العلم به قاضيا بترتب العلم بالواقع عليه ولا تعين الرجوع إلى العلم بالواقع إلى أن يقوم دليل على الاكتفاء بغيره من الطريق قرره دليلا على ترتب الآخر عليه بل الجميع في مرتبة واحدة وإنما يتعين الرجوع إلى العلم مع انتفاء الطريق المقرر أو عدم العلم به لانحصار العلم بالخروج عن عهدة التكليف في ذلك ولذا يجوز الرجوع إلى العلم مع وجود الطريق المقرر أيضا ويتخير المكلف في الرجوع إلى أيهما شاء والحاصل أن القدر اللازم أداء الفعل وحصول البراءة بحسب حكم الشارع وهو حاصل بكل من الوجهين واقعين تحصيل العلم بالواقع فرض انتفاء العلم بطريق المقرر أو انتفائه واقعا ليس لكونه متعينا في نفسه بل بحصول البراءة به على النحو الذي ذكرناه وفرق بيّن بين كون الشيء مطلوبا بذاته في كون المطلوب فهو إذن أحد الوجهين في تحصيل تفريغ الذمة فإذا انسد باب العلم بتفريغ الذمة على الوجه المفروض بكل من الوجهين المذكورين بأن لم يحصل هناك طريق قطعي من الشارع يحكم معه بتفريغ الذمة في حكم الشارع حسبما عرفت وهو يحصل بقيام الأدلة الظنية على حجية الطرق المخصوصة حسبما يتم الدليل عليها في محالها من غير أن يكتفى في إفادة حجيتها بمجرد كونها مفيدة للظن بالواقع كما هو قضية الوجه الآخر فإن قلت إن الظن بأداء الواقع يستلزم الظن بتفريغ الذمة على الوجه المذكور لولا قيام الدليل على خلافه كما في القياس ونحوه إذا رأى المكلف به واقعا يستلزم تفريغ الذمة بحسب الواقع قطعا لقضاء