Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 384

Contributors:

P.384
من غير طريان تخصيص عليها وكيف يتوهم لزوم التخصيص في تلك القاعدة من جهة حجية بعض الظنون مع أن الأخذ به من بعد انتهائه إلى اليقين أخذ باليقين دون الظن فإن قلت إذا أخذ الظن في بعض مقدمات المطلوب كانت النتيجة تابعة للأخس فكيف يدعى كونها قطعية في المقام مع أن المفروض كون بعض مقدماتها ظنية قلت فرق بين أخذ القضية الظنية في المقدمات وأخذ الظن بها فيها إذ لا شك في كون الثاني من الأمور المعلومة الوجدانية والمأخوذ في المقام إنما هو الثاني دون الأول والحاصل أن المدعى عدم حجية الظن من حيث هو والظن الذي دل الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع عليه ليس من هذا القبيل إذ ليس الحجة حينئذ في الحقيقة هو ذلك الظن بل الدليل القاطع الدال عليه فيرجع الأمر حينئذ إلى العلم وكذا الحال لو قلنا بقيام الدليل القاطع على حجية مطلق الظن فإن الحكم هناك إنما يتبع ذلك الدليل القاطع لا مجرد الظن الحاصل المتعلق بثبوت الحكم وهو ظاهر وربما يتوهم متوهم حجية الظن من حيث هو ظن من دون انتهائه إلى اليقين وهو ضعيف سخيف قد ظهر فساده مما بيناه وربما يؤول كلام قائله بما يرجع إلى ما ذكرناه رابعها أن المناط في وجوب الأخذ بالعلم وتحصيل اليقين من الدليل بل هو اليقين بمصادفة الأحكام الواقعية الأولية إلا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره أو أن الواجب أولا هو تحصيل اليقين بتحصيل الأحكام وأداء الأعمال على وجه إرادة الشارع منا في الظاهر وحكم به قطعا بتفريغ ذمتنا بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها مما جعلها وسيلة للوصول إليها سواء علم مطابقته بالواقع أو ظن ذلك أو لم يحصل به شيء من العلم والظن أصلا وجهان والذي يقتضيه التحقيق هو الثاني فإنه القدر الذي يحكم العقل بوجوبه ودلت الأدلة المتقدمة على اعتباره ولو حصل العلم بها على الوجه المذكور لم يحكم العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع ولم يقض شيء من الأدلة النقلية بوجوب تحصيل شيء آخر وراء ذلك بل الأدلة الشرعية قائمة على خلاف ذلك إذ لم يبين الشريعة من أول الأمر على وجوب تحصيل كل من الأحكام الواقعية على سبيل القطع واليقين ولم يقع التكليف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع وفي ملاحظة طريقه السلف من زمن النبي والأئمة عليهم السلام كفاية في المقام إذ لم يوجب النبي صلى اللَّه عليه وآله على جميع من في بلده من الرجال والنسوان السماع منه بجميع الأحكام أو حصول التواتر إلى آحادهم بالنسبة إلى آحاد الأحكام أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللفظ بالنظر إلى الجميع بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به والقول بإفادة قول الثقة القطع بالنسبة إلى السامع منه بطريق المشافهة نظرا إلى أن العلم بعدالته والوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجتزائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنسبة إلى كثير من الأخبار العادية سيما مع انضمام بعض القرائن القائمة جازمة بينة إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين ومع اعتبارها في الشرع المبين كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السهو والنسيان وسوء الفهم سيما بالنسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان كما نشاهد ذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوام مضافا إلى قيام احتمال النسخ في زمن النبي صلى اللَّه عليه وآله في كل آن ومع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسس بما يفيد العلم لعدمه في كل زمان بل كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخه هذا كله بالنسبة إلى البلدة التي فيها الرسول أو الإمام عليهم السلام فكيف بالنسبة إلى سائر الأماكن والبلدان سيما الأقطار البعيدة والبلاد النائية ومن الواضح أنه عليه السلام كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبار الواردة عليه بتوسط الثقات كما تدل عليه آية النفر والطريقة الجارية المستمرة المقطوعة ولم يوجب صلى الله عليه وآله يوما على كل من لم يتمكن من المهاجرة نحوه أو أخذ الأحكام على سبيل التواتر ونحوه وكذا الحال في الأئمة عليهم السلام وذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السلف والرجوع إلى كتب الرجال وإنكاره يشبه إنكار الضروريات وليس ذلك إلا للاكتفاء بالأخذ بطريق ظنه ودعوى حصول العلم بالواقع من الأمور البعيدة خصوصا بالنسبة إلى البلاد النائية سيما بعد ما كثرت الكذابة على النبي والأئمة صلوات الله عليهم حتى قام صلى الله عليه وآله خطيبا في ذلك ونادى به الأئمة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة الأخبار وما يتراءى من دعوى السيد وغيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار مما يقطع بخلافه ويشهد له شهادة الشيخ رحمه الله وغيره بامتناعه والظاهر أن تلك الكلمات مؤولة بما لا يخالف ما قلناه لبعد تلك الدعوى عن أضرابه ومما ينادي بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظة حال العوام مع المجتهدين فإن من البين عدم تحصيل القطع عليهم لفتاوي المجتهد على حسب المكنة بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطة العادلة مع التمكن من العلم بلا ريبة وعليه جرت طريقة الشيعة في سائر الأزمنة بل الظاهر أنه مما أطبقت عليه سائر الفرق أيضا وهل كان الحال في الرجوع إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام إلا كحال العوام في هذه الأعصار في الرجوع إلى المجتهدين وبملاحظة جميع ما ذكرناه يحصل القطع بتجويز الشارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم سيما مع ملاحظة ما في التكليف بالعلم في خصوصيات الأحكام من الحرج التام بالنسبة إلى الخواص والعوام وهو مما لا يناسب هذه الشريعة السمحة السهلة التي رفع عنها الحرج والمشقة ووضعت على كمال اليسر والسهولة ويشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام فإنه اكتفى الشارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غير التزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج والمشقة في كثير من الصور فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور مع تحصيل العلم بها أسهل فذلك بالنسبة إلى الأحكام أولى وأيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل وتحصيل العلم به إنما هو من جهة العلم لصحة العمل وأدائه مطابقا للواقع ومن البين أن صحة العمل لا يتوقف على العلم بالحكم كما لا يتوقف على العلم بالموضوع والاقتصار على خصوص العلم بالنسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحة العمل بالنظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع وليس المتحصل للمكلف حينئذ بالنسبة إلى العمل إلا العلم بمطابقة العمل لظاهر الشريعة والقطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنسبة إلى العلمين فتحصل مما قررنا كون العلم الذي هو مناط التكليف أولا هو العلم بالأحكام من الوجه الأول من الوجه المقرر شرعا لمعرفتها والوصول إليها والواجب بالنسبة إلى العمل وأدائه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمة في الحكم الشرعي سواء حصل العلم بأدائها على طبق الواقع أو على طبق