Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 383

Contributors:

P.383
الشيء مطابقا للواقع كون ما يقابله موهوما وهو لا يجامع الشك فيه حسبما هو الحال في مقتضى الخبر الآخر فإن قلت إذا كان الحكم الحاصل من الخبر المظنون الصدور أو الخبر الأقوى مشكوك المطابقة للواقع كان الحال فيه على نحو غيره من الخبر المشكوك المطابقة كالرواية الضعيفة أو الخبر الذي دونه في القوة فكيف يؤخذ به ويطرح الآخر مع تساويهما في ذلك قلت أي مانع من ذلك بعد اختيار كون الحجية غير منوطة بمظنة إفادة الواقع كما هو المدعى وإذا وجدت شرائط الحجة في خبر دون خبر أخذ وإن شارك الآخر في عدم إفادته المظنة بالواقع في خصوص الواقعة ودعوى كون التراجيح مبنية على الظنون دون التعبد لا يراد به حصول الظن بالواقع بل المقصود كون الخبر المشتمل على الرجحان في حد ذاته أقرب إلى مطابقة الواقع وأنه إذا كان أقوى من حيث الصدور أو من حيث الدلالة كان بالترجيح أحرى وإن كان مساويا لما يترجح عليه في عدم إفادته الظن بالواقع إلا أن جهات الشك في إصابة الواقع قد تتحد وقد تتعدد والجهات المتعددة قد تكون أقل وقد تكون أكثر وحصول الترجيح بين الوجوه المفروضة ظاهر مع اشتراك الكل في عدم إفادة الظن بالواقع وكون المكلف مع ملاحظتها في مقام الشك في الإصابة نظرا إلى حصول الجهة المشككة متحدة كانت أو متكثرة ومن هنا يعلم إمكان حصول الترجيح بين الأخبار مع إفادتها للظن وسنفصل القول في ذلك إن شاء اللّه في محله وليس المقصود مما قررنا المنع من حصول الظن بالواقع كليا بل المراد عدم استلزامه له وعدم إناطة الحجية بحصول المظنة وإن حصل الظن بالواقع في بعض الأحيان ويؤيد ما ذكرناه أنه قد يقوم في المقام أمارات ظنية كالشهرة أو القياس أو عدم ظهور الخلاف ونحوها مما يفيد ظنا بالحكم غير معتبر شرعا في مقابلة الخبر الصحيح ونحوه من الأدلة المعتبرة ولا شك في عدم حصول الظن من الدليل لاستحالة تعلق الظنين بالمقابلتين في آن واحدا مع عدم سقوط الدليل بذلك عن الحجية والقول بأن قيام الدليل على عدم حجية تلك الوجوه قاض بعدم حصول الظن منها كما يستفاد من بعض الأجلة مما لا يعقل وجهه ثالثها أن مدار حجية الأدلة الشرعية حصول العلم منها واليقين دون مجرد الظن والتخمين سواء كانت مفيدة للعلم ابتداء أو بواسطة أو وسائط فلا عبرة بما إذا حصل منها الظن من حيث هو ظن من دون انتهائه إلى اليقين ويدل عليه العقل والنقل إذ من البين استقلال العقل في إيجاب دفع الضرر عن النفس سيما مضار الأخروية لعظمها ودوامها فلا بد من تحصيل الاطمئنان بارتفاعها والأمن من ترتبها ولا يحصل ذلك بمجرد ذلك الظن لقيام الاحتمال الباعث على الخوف وأن الأخذ بطريق الظن مما يغلب فيه عدم الانطباق ويكثر فيه الخطاء فلا يؤمن مع الأخذ به من ترتب الضرر وفي عدة من الآيات الكريمة دلالة عليه والقول لورودها في الأصول دون الفروع فلا تدل على عدم جواز الاستناد إليها في الأحكام وأن الأخذ بذلك أخذ بالظن في عدم جواز الأخذ بالظن فيدور مدفوع أما الأول فبأن جملة من تلك الآيات إنما وردت في الفروع وأن المستفاد منها إعطاء القاعدة في عدم الاكتفاء بالظن في تحصيل الحق بل هي واردة في مقام الإنكار على الكفار وذمهم في اتكالهم على الظنون والاحتجاج عليهم بحكم العقل بقبحه فهو استناد إلى ما هو مرتكز في العقول من عدم جواز الاعتماد على الظن والتخمين في أمور الدين مع عظم خطرها وشدة الضرر المتفرع عليها فالمقصود إقامة الحجة عليهم بمقتضى عقولهم لا من النص المتوقف على صدقه ليدور الاحتجاج ولا يكون دفع الإيراد عليهم مع عدم ظهور فسخ ما ارتكبوا إلا من جهة ظنه فيكون ذلك شاهدا شرعيّا على صحة ما وجدناها من حكم العقل بقبح الأخذ بالظن فاحتمال طرو التخصيص عليه ساقط جدا مضافا إلى أخذه كبرى في القياس فلا يراد به إلا الكلية ليتم الاحتجاج أما الثاني فبعد تسليم عدم اقتضاء المقام نصوصيتها في الدلالة فبأن دلالة الظواهر على عدم حجية الظن كافية في المقام إذ لا يخلو الواقع عن أحد الأمرين من حجية وعدمها وعلى التقديرين فالمطلوب ثابت إذ الثاني عين المقصود والأول قاض بصحة الاستدلال وأيضا كيف يمكن الحكم بالتعبد بمجرد الظن مع اقتضاء الظن عدم حجيته فلو كان الظن حجة لم يكن حجة لاندفاعه بنفسه وكون حصول الحجية مقتضيا لعدمها وما يتوهم حينئذ من لزوم مراعاة أقوى الظنين من الظن المتعلق بالحكم والمتعلق بعدم حجية ذلك الظن فاسد إذ لا معارضة بينهما لاختلاف متعلقيهما فإن الأول إنما قضى بثبوت الحكم على نحو غير مانع من النقيض والثاني إنّما قضى بعدم حجية ذلك الظن كذلك وعدم الاعتداد به في الفتوى والعمل وأي منافاة بين ذينك الظنين حتى يلزم الأخذ بأقواهما فلا معارض أصلا لظن القاضي بعدم حجية الظن فلا بد من الأخذ به على فرض حجية الظن ولو كان أضعف من الأول بمراتب نعم إن دل دليل على حجية الظن حصل المعارضة بين ذلك الدليل بهذه الظواهر وهو كلام آخر لا ربط له بالمقام ثم إن في الأخبار الكثيرة دلالة على وجوب تحصيل العلم وعدم الاكتفاء بغيره كالرواية الآمرة بالتعلم ومعرفة الأحكام الدالة على توقف العمل على العلم والروايات المشتملة على النهي عن الحكم بغير العلم والأخذ بالظن إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع ولا يبعد دعوى التواتر فيها بعد ملاحظة الجميع وفي ملاحظة الطريقة الجارية من العلماء من الصدر الأول إلى الآن من مطالبة الدليل على حجية ما يدعى من الظنون وعدم الاكتفاء بكونه مظنة كفاية في ذلك فإنه لا زالت العلماء مطبقة عليه في جميع الأعصار والأمصار ومن ادعى حجية مطلق الظن فإنما يستند فيه إلى حجية قطعه كيف ولو استند فيه إلى الظن لدار فظهر مما قررنا أن المستفاد من العقل والنقل كتابا وسنة وإجماعا عدم حجية الظن من حيث إنه ظن نعم لو قام دليل قطعي ابتداء أو بواسطة على حجيته كان حجة وجاز الإسناد إليه وكان ذلك الظن خارجا عن القاعدة المذكورة فإن قلت من المقرر عدم قبول القواعد العقلية للتخصيص فلو كان العقل مستقلا في الحكم المذكور لم يكن القول بحجية شيء من الظنون خاصة قلنا لا نقول باستثناء ذلك من القاعدة المذكورة وإنما نقول بخروجها عن موضوع تلك القاعدة وتوضيح ذلك أن مقتضى القاعدة المذكورة عدم حجية الظن من حيث هو ظن إذا لم يلاحظ انتهاؤه إلى اليقين المقصود في الاستثناء المذكور هو حجية الظنون المنتهية إلى اليقين وليس أحدها مندرجا في الآخر بل هما أمران متباينان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة ولا قابلة للتخصيص والعقل والنقل متطابقان في الحكم