Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 323

Contributors:

P.323
في بعض الأوقات أن يكون النهي عبثا كذا ذكره الفاضل الجواد ويدفعه عدم دلالة النهي على الفور عند القائل بكونه للمرة أو لمطلق الطبيعة حسب ما سيشير المصنف رحمه الله إليه من أن القائل بنفي دلالته على الدوام ينفي الدلالة على الفور وهو وإن لم يكن متجها كما سنشير إليه إلا أن القائل المذكور لا يلزمه القول بدلالته على الفور قطعا فلا وجه لإيراد المذكور عند من نفي الدلالة على الفور كما هو المختار وتارة بأنه يثمر ذلك في حصول الامتثال فإنه وإن حصل الترك مع انتفاء النهي إلا أنه لا يتفرع عليه حصول الامتثال بالترك إلا مع حصول النهي فيمكن معه قصد الامتثال وأورد عليه بأنه لا اعتبار لقصد الامتثال في جانب النهي إذ ليس المقصود من تشريعه قصد التقرب المعتبر في العبادات لوضوح عدم اندراج النواهي الشرعية في العبادة إلا ما ورد من النواهي المأخوذة في بعض العبادات كالصوم فالمراد به في الحقيقة بيان حقيقة تلك العبادة المأخوذة بها واعتبار الوجه فيه إنما هو من جهة الأمر فلا ربط له بالمقام وفيه أن مقصود المورد إمكان قصد الامتثال حينئذ فيترتب عليه الثواب على فرض حصول القصد المذكور وهو كاف في الخروج عن العقوبة لا لزوم حصوله واعتباره في نفس التكليف فيكون القصد المذكور مأخوذا في النواهي ليعتبر القربة في التروك المطلوبة بها ليلزم اندراجها في العبادة وهو ظاهر فالحق في دفعه أن يقال إن ذلك لا يكتفي في تصحيح التكليف إذ لا بد في صحة التكليف بالفعل أو الترك كونه في حيز الإمكان فيكون خارجا عن درجتي الوجوب والامتناع فلو كان الفعل واجبا لم يصح تعلق الأمر أو النهي به غاية الأمر أنه إذا كان تركه واجبا كان تعلق الأمر به قبيحا من قبح التكليف بما لا يطاق وإن كان فعله واجبا كان قبحه من جهة الهذرية وهي أيضا إرادة أحد الجهات في امتناع التكليف حيثما تقرر في محله وكذا الحال لو كان الفعل أو الترك واجبا في تعلق النهي به لكن على عكس الحال في الأمر وليس مجرد صحة قصد الامتثال في صورة وجوب الفعل بالنسبة إلى الأمر أو امتناعه بالنسبة إلى النهي كافيا في صحة التكليف فإن صحة القصد المذكور فرع تحقق التكليف فإذا كان التكليف قبيحا لم يصح ذلك ولو أخذ ذلك قيدا في الفعل ولو صح القول في ذلك يتوقف على إطالة الكلام ولا يناسبه المقام سيما مع وضوح المرام ولعلنا نتعرض في المقام اللائق به وبالجملة تقبيح ما ذكر في الجملة من الأمور الظاهرة عند العقل ألا ترى وضوح قبح أمر المكلف بالكون في المكان أو الزمان ونهيه عن الجمع بين النقيضين والطيران في الهواء مطلقا أو مقيدا بقصد التقرب مع جريان ما ذكره المستدل هنا فيها أيضا والتحقيق في الإيراد على الدليل المذكور ما عرفته في الجواب عن غيره من عدم دلالة ذلك عن وضع الصيغة للدوام إذ لو كان موضوعا لما يستلزم الدوام مع الإطلاق حسب ما قررنا كان كافيا في حصول الثمرة المطلوبة ومنها ظهور التناقض عرفا بين قولنا اضرب زيدا ولا تضربه وقد عرفت أن مفاد اضرب هو طلب حقيقة الضرب في الجملة الحاصلة بمرة واحدة فلو كان النهي أيضا موضوعا لذلك لم يكن بينهما مناقضة لرجوعهما حينئذ إلى قضيتين مهملتين هما في قوة الجزئية ولا تناقض بين الجزئيتين بوجه من الوجوه وفيه أن المناقضة بينهما قد تكون من جهة أن تعلق الأمر بالطبيعة يفيد مطلوب الفعل في كل آن من الآنات مع عدم تعلقه في الأول كما هو قضية الإطلاق فيرجع إلى العموم لكن على سبيل التخيير بين جزئياته وهو لا يجامع الجزئية المستفاد من النهي ومع الغض عن ذلك فقد يكون مبنى المناقضة على انصراف إطلاق النهي إلى الدوام لا وضعه له فإن كان المقصود من الدليل المذكور إفادة الوضع له لم يتم ذلك ودعوى أصالة كون الدلالة تضمنية عند الدوران بينها وبين الالتزامية وقد عرفت وهنها وهناك حجج أخرى للقول المذكور موهونة جدا فهي لإعراض عنها أحرى قوله بأنه لو كان للدوام لما انفك عنه إلى آخره قد يورد عليه بأن الكلام حينئذ في الدلالة اللفظية والتخلف جائز واقع بالنسبة إليها كيف وباب المجاز واسع حتى قيل بأغلبيته على الحقيقة فالملازمة المدعاة فاسدة جدا ويمكن دفعه تارة بأن الكلام هنا في الملازمة العقلية حسب ما مر ويحتمله الدليل المتقدم في كلامه بناء على أن ترك الطبيعة لا يتحقق إلا بترك جميع أفرادها فيقال لو تم ذلك لجرى في جميع النواهي وليس كذلك وأخرى بأن التخلف في الدلالات اللفظية أنما يكون بالنسبة إلى الإرادة دون نفس الدلالة والمفروض حصول الثاني فيما ذكره من المثال إذ لا يدل نهي الحائض عن الصلاة والصيام على المنع منها على سبيل الدوام فذلك وجهان في تقرير الاحتجاج المذكور ويمكن الإيراد عليهما بأن أقصى ما يلزم منها عدم وضع الصيغة لخصوص الدوام وعدم استلزام مدلول الصيغة للدوام مطلقا حيث حصل الانفكاك بينهما ولا يلزم منهما عدم وضع الصيغة لما يستلزم الدوام حال الإطلاق وإن أمكن الانفكاك بينهما بعدم قيام القرينة متصلة أو منفصلة على عدم إرادة المطلق حينئذ قد يفيد الدوام أيضا على حسب القيد والحاصل أن النهي يفيد الدوام مطلقا مع الإطلاق والدوام على حسب القيد مع التقييد ولا يفيد الدوام أصلا مع قيام القرينة على إرادة الترك في الجملة من دون لزوم المجاز في شيء من الصور حسبما مر بيانه وقد تقرر الاحتجاج بوجه ثالث وهو أنه لو كان حقيقة في خصوص الدوام لما كان مستعملا في غيره على وجه الحقيقة والملازمة ظاهرة والتالي باطل عن نهي الحائض عن الصلاة والصوم مع كون النهي المتعلق بهما على وجه الحقيقة دون المجاز وفيه أن الدعوى المذكورة محل خفاء إذ كون النهي منهما على وجه الحقيقة أول الكلام وأورد عليه أيضا برجوعه حينئذ إلى الدليل الثالث وأنت خبير بما فيه لاختلاف كيفية الاستدلال في المقامين وإن اتحدت المقدمات المأخوذة فيهما على أن ذلك أيضا ممنوع بناء على حمل المناقضة في الدليل الآتي على مناقضة الحقيقة دون الصور الحاصلة في المجازات الباعثة على صرفها من الحقيقة وقد يقرر ذلك بوجه رابع حاصله أن بعض صيغ النهي ورد لا لتكراره ومجيئه للتكرار أمر مقرر معلوم فيجب أن يكون للقدر المشترك بينها دفعا للاشتراك والمجاز وأنت خبير ببعده عن العبارة جدا فحملها على ذلك تعسف ركيك مضافا إلى أنه عين الدليل الثاني فلا وجه لحمل العبارة عليه ثم الإيراد بعدم الفرق بين الدليلين كما فعله المدقق المحشي رحمه الله وقد يقرر بوجه خامس وهو أنه لو كان للتكرار لما انفك منه مع إطلاق النهي والتالي باطل فالمقدم مثله وهو أيضا خارج عن ظاهر العبارة ولا يوافقه الجواب المذكور