Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 160

Contributors:

P.160
الإتيان بما تعلقت الصيغة به فإذا حصل ذلك من الأمور صدق الإتيان بما أوجبه الأمر ومع حصوله يسقط الطلب لحصول متعلقة فيحصل أدلة الواجب بمجرد الإتيان من غير حاجة إلى ضم شيء آخر إليه فقضية الأصل إذن إذا تعلق الطلب بطبيعة اتصاف أي فرد أتي به بعد الطلب المفروض بالوجوب وحصول الواجب به سواء كان الإتيان به على وجه القصد إلى ذلك الفعل وإرادته أو لا كما إذا وقع منه على وجه الغفلة والذهول أو حال النوم ونحوه أو اشتبه عليه وأتى به على أنه غير ما كلف به وسواء غفل عن التكليف المتعلق به أو لا وسواء أتى به على قصد الامتثال أو غيره وقد يورد عليه بوجوه منها أن متعلق الطلب وإن كان مطلق الطبيعة من غير تقييدها بشيء بمقتضى ظاهر الأمر لكن تعلق الطلب إنما يكون مع تفطن الفاعل به وعدم غفلته عنه لوضوح استحالة التكليف بالفعل مع غفلة المأمور وذهوله عن ذلك الفعل وحينئذ فقضية تعلق الطلب بالطبيعة هو الإتيان بالفعل على وجه القصد إليه فلا يكون الصادر على سبيل الغفلة مندرجا في المأمور به وكذا إذا أتى به معتقد كونه مغايرا لما أمر به ومنها أن ظاهر ما يستفاد من الأمر في فهم العرف أن ما يتعلق الطلب به هو ما يكون صادرا على وجه العمد دون الغفلة أو الالتباس بغيره كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات فلا يندرج فيه الأفعال الصادرة على غير ذلك الوجه وإن شملها الطبيعة المطلقة ومنها أن الفعل المتعلق للطلب إنما يتصف بالوجوب من حيث كونه مأمورا به فيتوقف وجوبه على توجه الأمر إلى الفاعل ومن البين أن تعلقه به إنما يكون مع علمه بالتكليف إذ لا تكليف مع الغفلة فكون ما يأتي به أداء للواجب إنما هو بعد علمه بالتكليف فلو أتى به قبل ذلك ثم انكشف التكليف به لم يكن ما أتى به واجبا حتى يسقط به ذلك التكليف فلا يكون الإتيان بالفعل أداء للمأمور به إلا بعد تعلق الأمر به ومنها أن القدر اللازم مع الغض عما ذكر هو اتصاف الطبيعة المطلقة المتعلقة للطلب بالوجوب الذي هو مدلول الأمر أعني مجرد كونه مطلوبا بالطلب الحتمي حسبما مر القول فيه لكن الوجوب المصطلح وهو الذي دل عليه الأمر بالالتزام نظرا إلى ملاحظة حال الآمر بكونه ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا على ما هو مقصود الأصول في البحث عن ذلك فلا يثبت ذلك نظرا إلى قضاء الملاحظة المذكورة بوجوب امتثال الأمر وإطاعته ومن البين أن صدق الامتثال وتحققه يتوقف على كون أداء الفعل بقصد موافقة الأمر لا مطلقا فلا يتصف بالوجوب إلا ما وقع على الوجه المذكور فلا يكون الإتيان به على غير النحو المذكور للواجب ليحصل سقوط التكليف به والذي يقتضيه التأمل في المقام أن مفاد الأمر هو الإتيان بالفعل على سبيل القصد والإرادة لما ذكر من الوجهين الأولين فلو أتي به على سبيل السهو والغفلة أو في حالة النوم ونحوها لم يتصف ذلك الفعل بالوجوب ولم يكن أداء للمأمور به وما يستفاد من ظاهر كلام بعض الأفاضل من إدراج ذلك في أداء المأمور به كما ترى وكيف يصح اتصاف فعل النائم والغافل بالوجوب مع وضوح عدم قابليته لتعلق التكليف وعدم صحة إيجاب الأمر لما يصدر عنه في حال الغفلة والنوم والقول بأن القدر المسلم من عدم تعلق التكليف بالغافل هو ما كان من أول الأمر وأما بعد تفطنه بالتكليف وغفلته بعد ذلك وصدور الفعل منه إذن على سبيل الذهول والغفلة فلا مانع من اندراجه في المكلف به كما يستفاد من كلام الفاضل المذكور أيضا غير متجه ضرورة أن السبب الباعث على عدم تعلق التكليف به من أول الأمر قاض بعدم تعلقه به بعد ذلك من غير فرق أصلا فلا داعي هناك إلى التفصيل وجريان حكم الواجب على الفعل مع طريان الغفلة في أثناء العمل أو عروض النوم كما في الصوم ونحوه لا يدل على بقاء التكليف حين الغفلة غاية الأمر الاكتفاء هناك بالاستدامة الحكمية وإجراء حكم النية الواقعة في أول الفعل إلى آخره لقيام الدليل عليه وأما الغفلة عن الأمر ولو من أول الأمر مع إتيانه بالفعل على سبيل القصد والإرادة فغير مانع عن اتصافه بالوجوب وما ذكر من أن التكليف يتوقف على العلم فلا تكليف مع الغفلة عن الأمر حتى يتصف الفعل بالوجوب حسبما مر مدفوع بالفرق بين حصول التكليف بحسب الواقع وتعلقه بالمكلف بالنظر إلى الظاهر وغاية ما يلزم من التقرير المذكور عدم ثبوت التكليف في الظاهر إلا بعد العلم به والمقصود اتصافه بالوجوب بحسب الواقع وإن لم يكن المكلف عالما به وتظهر الفائدة بعد انكشاف الحال فإن قلت كيف يعقل اتصاف الفعل بالوجوب مع فرض عدم تعلق التكليف به في ظاهر الشرع وهل يعقل حصول التكليف من دون تعلق بالمكلف قلت لا شبهة في كون التكليف أمرا ارتباطيا تعلقيا لكن هناك تعلقا في الواقع وهو كون صدور الفعل منه محبوبا للأمر بحيث لا يجوز تركه ويبغض انتفاؤه في ذاته وإن كان المكلف معذورا من جهة جهله فالفعل على كيفيته أو علم بها لم يكن له الإقدام عليه على حسبما عرفوا به الحسن والقبح في الظاهر وهو أن يراد من المكلف الإقدام على الفعل بحسب ظاهر الشرع سواء كان مطابقا لما هو المطلوب بحسب الواقع أو لا فالنسبة بين التعلقين هو العموم من وجه والوجوب على الوجه الأخير يتوقف على العلم بخلاف الوجه الأول ولتحقيق الكلام في ذلك مقام آخر وقد مرت الإشارة إليه في تعريف الفقه ولعلنا نفصّل القول فيه فيما يأتي في المقام اللائق به إن شاء الله تعالى ومما قررناه يظهر أن اشتباه المأمور به لغيره وأدائه على أنه غير المأمور به لا ينافي اتصافه بالوجوب نظرا إلى الواقع كما هو المقصود وأما ما ذكر في الإيراد الرابع من اعتبار قصد الامتثال والإطاعة في أداء الواجب المصطلح نظرا إلى الوجه المذكور فمدفوع بأن غاية ما يتوقف عليه الوجوب المصطلح كون الأمر ممن لا يقبح مخالفته وعصيانه على خلاف غيره ممن لا يجب تحصيل مطلوبه ولا يقبح لا يصح مخالفة أمره وإرادته وهذا المعنى هو المراد من كون الأمر ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا فإن المراد به قبح العصيان والمخالفة ومع الغض عنه فالقدر اللازم هو ما قلناه وتوقفه على ما يزيد عليه مما لا دليل عليه واللازم مما ذكرنا وجوب مطلق الفعل سواء كان بقصد الامتثال أو لا والحاصل أن الوجوب الحاصل في المقام إنما هو على طبق الإيجاب الصادر من الأمر فكما أن قضية أمره هو إيجاب مطلق الفعل وإرادة حصوله سواء كان بقصد الامتثال أو غيره ولا دليل على اختصاص وجوب الفعل بنحو خاص فكذلك الوجوب اللازم منه إنما يكون على ذلك الوجه أيضا فإن قلت إن الأوامر الدالة على وجوب طاعة الله تعالى والرسول والأئمة عليهم السلام من الكتاب والسنة كافية في ذلك نظرا إلى عدم صدق الطاعة إلا مع وقوع الفعل على وجه الامتثال غاية الأمر أن ما يدل
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 160 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني