Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 149

Contributors:

P.149
إما موصولة أو موصوفة أو مصدرية فهذه ثمانية عشر وجها ففي بعضها يكون مفادها مفاد ما لا يدرك كله لا يترك كله ولذا أو للوجه الآتي قد تجعل رديفا لذلك الخبر ويستدل بها على ما يستدل عليه بذلك وفي بعضها تفيد أن الأمر إذا تعلق بكلي فالمطلوب أداؤه في ضمن الأفراد المقدورة وفي بعضها تفيد الأمرين وفي بعضها تفيد وجوب التكرار إن جعلنا الأمر في فأتوا للوجوب فيمكن أن يحتج لها على كون الأمر للتكرار وإلا أفادت رجحان الإتيان بالمأمور به بعد أداء المقدار اللازم كما قد يتخيل بناء على كون الأمر موضوعا لطلب الطبيعة حسبما يأتي الإشارة إليه في كلام المصنف وقد يومي إلى هذا الوجه ملاحظة أول الرواية وموردها فتأمل قوله رد الإتيان بالمأمور به إلى مشيتنا أنت خبير بأن المذكور في الرواية هو الرد إلى الاستطاعة وهو مما لا ربط له بالرد إلى المشية كما هو مبنى الاستدلال وتفسير الاستطاعة بالمشية غريب وكان الذي أدخل عليه الشبهة تفسير الاستطاعة بالاختيار فإن ما لا يستطيعه الإنسان لا اختيار له فيه ثم جعل الاختيار بمعنى المشية فإن اختيار الإتيان بالشيء هو مشيته أو ما يقرب منها فيكون قد خلط بين المعنيين فإن الاختيار بمعنى القدرة غير الاختيار بمعنى الترجيح وقد يوجه أيضا بأن كون الفرد المأتي به بعد تعلق الأمر بالطبيعة هو المقدور من أفرادها أمر واضح غني عن البيان فحمل العبارة على ظاهرها قاض بإلغائها فلذا صرف الاستطاعة عن ظاهرها وفسرها بالمشية وقد يجعل ذلك مبنيا على الجبر وعدم ثبوت الاستطاعة للعبد فلا بد من صرفها إلى المشية فلا يخفى وهن الجميع قوله وهو معنى الندب لا يخفى أن الرد إلى المشية يشير إلى الإباحة ولا أقل من كونه أعم منه ومن الندب فمن أين يصح كونه بمعنى الندب ثم إنه لا دلالة فيه على كون اللفظ موضوعا للندب إذ غاية الأمر أن يكون ذلك مرادا منه وهو أعم من الحقيقة مضافا إلى أن إذا من أدوات الإهمال فلا يدل إلا على رد بعض الأوامر إلى المشية وأين ذلك من إثبات العموم وقد يقال إن إذا وإن كان من أدوات الإهمال بحسب اللغة إلا أنها تفيد العموم بحسب الاستعمالات العرفية على أن الإطلاق كاف في المقام لكونه من مورد البيان وإرادة بعض مما لا فائدة فيه فيرجع إلى العموم وإذا دلت الرواية على حمل المطلقات من الأوامر على الندب كان بمنزلة بيان لازم الوضع فيكشف عن وضعه بإزاء ذلك وهذا وإن لم يدل على وضعه له بحسب اللغة كما هو المدعى إلا أنه يتم ذلك بملاحظة أصالة عدم النقل هذا غاية ما يوجه به كلام المستدل وهو كما ترى في غاية الوهن قوله وهو معنى الوجوب كذا ذكره الحاجبي والعضدي وأنت خبير بأن الرد إلى الاستطاعة كما هو حاصل في الواجب فكذا في المندوب ضرورة عدم استحباب الإتيان بغير المقدور فهو أعم من الوجوب والندب ولذا أجاب الآمدي عنه على الوجه المذكور حيث قال إنه لا يلزم من قوله ما استطعتم تفويض الأمر إلى مشيتنا فإنه لم يقل ما شئتم بل قال ما استطعتم وليس ذلك خاصة الندب فإن كل واجب كذلك انتهى وحينئذ فلا وجه لكون ذلك معنى الوجوب وأجاب عنه القطبي بأن المراد بالمعنى لازمه فالمراد بكون الرد إلى الاستطاعة معنى الوجوب أنه لازم معناه لا أنه عينه قلت فيتجه به العبارة المذكورة حيث إن ظاهرها بين الفساد ضرورة أن الرد إلى الاستطاعة ليس عين الوجوب فيصح الحكم المذكور حيث إن اللازم قد يكون أعم لكنك خبير ببعد التوجيه المذكور عن ظاهر العبارة فإن غاية ما يحتمله العبارة كون ذلك من روادفه ولوازمه المساوية وحينئذ يندفع عنه ما قد يورد عليه من أن الرد إلى الاستطاعة ليس عين الوجوب والإيراد المذكور باق على حاله وربما يوجه ذلك بأن تعليق الإتيان به على الاستطاعة يدل على أنه لا يسقط منا إلا ما لا استطاعة لنا فيه فيفيد الوجوب وهو أيضا كما ترى فإن المعلق على الاستطاعة قوله فأتوا فإن أريد به الوجوب صح وإلا فلا يتم إذ لا يزيد على ذلك إفادة عدم سقوط المندوب مع الاستطاعة وقد يوجه إذن بابتناء ذلك على كون لفظ الأمر مفيدا للوجوب فرده إلى الاستطاعة حينئذ تحقق لإرادة الوجوب بخلاف ما لو رد إلى المشية كما ادعاه المستدل لدلالته على عدم إرادة الوجوب من الأمر كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل قوله وفيه نظر حكى ابن المصنف نقلا عن والده في وجه النظر أمران أحدهما أن المدعى ثبوت الوجوب لغة فقول المجيب إن الوجوب إنما يثبت بالشرع لا وجه له وثانيهما أن الظاهر من كلامه الفرق بين الإيجاب والوجوب والحال أنه لا فرق بينهما إلا بالاعتبار وأنت خبير باندفاع الوجهين أما الأول فبما عرفت سابقا من أن المراد بالوجوب المدلول عليه بالأمر هو ليس هو الوجوب المصطلح الذي هو أحد الأحكام الخمسة الشرعية بل المقصود منه هو طلب الفعل مع المنع من الترك وعدم الرضا به من أيّ طالب صدر وهو المعبر عنه بالإيجاب في كلام المجيب ومن البين أن الحاصل بإنشاء الطلب المذكور هو مطلوبية الفعل لذلك الطالب على النحو المذكور ولا يستلزم ذلك كون الفعل في نفسه أو بملاحظة أمر ذلك الأمر به مما يذم تاركه أو يستحق العقاب على تركه فإن تفرع ذلك على الأمر أمر يتبع وجوب طاعة الآمر بحسب العقل أو الشرع ولا ربط له بما وضع اللفظ له فالوجوب المدلول عليه باللفظ لغة وشرعا هو المعنى الأول والوجوب بالمعنى الثاني من الأمور اللازمة للمعنى الأول في بعض الصور حسبما عرفت وهو إنما يثبت بواسطة العقل أو الشرع وليس مما وضع اللفظ له فلا منافاة بين كون الوجوب مدلولا عليه بحسب اللغة وما ذكره من عدم ثبوت الوجوب إلا بالشرع لاختلاف المراد منه في المقامين نعم كلام المجيب لا يخلو عن سوء التعبير حيث يوهم عدم دلالة الأمر على الوجوب مطلقا إلا بالشرع ولا مشاحة فيه بعد وضوح المراد ومن ذلك يظهر اندفاع الوجه الثاني أيضا فإن الوجوب الذي يقول بمغايرته للإيجاب على الحقيقة وانفكاكه عنه بحسب الخارج هو الوجوب بالمعنى الثاني بالنسبة إلى الإيجاب بالمعنى الأول دون الوجوب بالمعنى الأول بالنسبة إلى إيجابه لوضوح عدم انفكاك مطلوبية الفعل على سبيل المنع من الترك عن طلبه بل الأمر الحاصل في الواقع شيء واحد يختلف بحسب الاعتبارين حسبما ذكر وإيراد المدقق المحشي عليه بأن القول بكون الإيجاب والوجوب متحدين بحسب الحقيقة وبالذات ومختلفين بالاعتبار من مزخرفات الأشاعرة ولا محصّل له أصلا ليس على ما ينبغي واستناده ذلك إلى الأشاعرة مما لم يتضح وجهه ولا ربط له بشيء من أصولهم وكان ملحوظه في ذلك أنه لما كان الوجوب عند الأشاعرة عبارة عن مجرد كون الفعل مطلوبا للشارع وهو معنى الحسن عندهم من غير حصول أمر آخر لم يكن الوجوب الحاصل عندهم إلا المعنى الأول وقد عرفت أنه متحد مع الإيجاب بالذات مغاير