Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 128

Contributors:

P.128
إلا إطلاق اللفظ وإرادة المعنى فكيف لا يعد ذلك من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه قلت لو كان الانتقال إلى معناه اللازم من اللفظ ابتداء ولو بواسطة الانتقال إلى ملزومه أو إرادة تصويره في ذهن السامع كان اللفظ مستعملا فيه وأما إذا كان الانتقال إليه من جهة ثبوت المعنى المراد من اللفظ المستلزم ثبوته لثبوت ذلك اللازم فليس ذلك من استعمال اللفظ فيه وإن أراد المتكلم إفادته أيضا وكان بناؤه على بيانه كبيان ملزومه فإن الانتقال إلى وجود اللازم والعلم بحصوله إنما يجيء من جهة ثبوت ملزومه لا بإرادته من اللفظ ابتداء نظير سائر اللوازم المقصودة من الكلام مما لا يستعمل اللفظ فيما إذا كان المقصود من الكلام إفادة لازم الحكم فقط أو مع إفادة الحكم أيضا إذ ليس اللفظ هناك مستعملا إلا في إفادة نفس الحكم وإنما ينتقل منه إلى لازم الحكم بالالتزام ولذا لا يعد الحكم المقصود منه إفادة لازم الحكم من المجاز والذي يوضح ذلك أن استعمال اللفظ في المعنى إما أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز وعلى التقديرين فالدال على المعنى هو نفس اللفظ ابتداء غير أن دلالته عليه قد يكون بتوسط الوضع وقد يكون بواسطة القرينة فالدال على المعنى هو اللفظ والوضع والقرينة هما الباعثان على دلالته فليست القرينة هي الدالة على المعنى المجازي بل الدال هو اللفظ المقترن بالقرينة كما قرر في محله وهذا بخلاف دلالة اللفظ على لوازم المعنى المراد وإن كانت تلك اللوازم مقصودة بالإفادة أيضا فإن الدال عليها أولا إنما هو ذلك المعنى المراد واللفظ هناك دال بعيد حيث إنه يدل على ما يدل عليها أولا إنما هو ذلك المعنى المراد فتبين بما قررنا وجه الفرق بين دلالة الألفاظ على معانيها المجازية ودلالتها على معانيها الالتزامية فإنها اشتركت في كون الدلالة غير وضعية حسبما مرت الإشارة إليه إلا أن الدال في المجازات هو نفس اللفظ بانضمام القرينة وفي المداليل الالتزامية بكون الملزوم هو الدال عليها بلا واسطة واللفظ إنما يدل عليها بتوسط دلالتها على المعنى الدال عليها ومن هنا يظهر وجه الحاجة في دلالة المجازات على قيام القرينة مع أن من المعاني المجازية مما لا يحتاج انفهامها إلى نصب القرينة كما إذا كانت من اللوازم البينة لمعانيها الحقيقية فإن ذلك الملزوم لا يفيد كونها مدلوله في الدلالة الحاصلة في المجازات غاية الأمر أن يفيد كونها مدلولة على النحو الثاني وهو غير قاض بكونها مدلولة للفظ ليكون اللفظ مستعملا فيها كما هو المعتبر في المجاز وبملاحظة ما ذكرنا صح إدراج دلالة المجازات في المطابقة نظرا إلى تعلق الوضع الترخيصي بها حسبما مرت الإشارة إليه إذا تقرر ذلك فقد ظهر الوجه في كون اللفظ مستعملا في خصوص المعنى الموضوع له في المقام دون معناه اللازم فلا يكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي والمجازي كما هو الملحوظ في محل النزاع فإن قلت إذا أمكن إرادة اللازم من اللفظ على كل من النحوين المذكورين فأي مانع من أن يكون ذلك مرادا في الكناية على نحو ما يراد في المجاز إرادة معناه الموضوع له أيضا فيكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي والمجازي على نحو ما يقوله المجوّزون قلت الاحتمال المذكور مدفوع بما قررناه في وجه المنع من تعلق إرادتين مستقلتين بلفظ واحد وجعله علما على كل من المعنيين المفروضين والمقصود مما بيناه دفع ما يقال من دلالة ما ذكره علماء البيان في بيان الكناية على جواز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي بجواز حمل ما ذكروه على ما قررناه وقد عرفت أن الظاهر بعد التأمل في الاستعمالات ثم إن ما ذكر في وجه الجمع بين القولين من أن القائل بالجواز لا يجوزه في المجاز البياني إلى آخره محل نظر إذ قد يقال إن القدر الثابت من اعتبار القرينة المعاندة تعاندها لإرادة الحقيقة بتلك الإرادة لا بإرادة أخرى منضمة إليها كما هو المعتبر في موضع النزاع فلا مانع من القول بجواز إرادة المعنيين مع حصول القرينة المعاندة أيضا كيف وقد أورد ذلك جماعة من المتأخرين على الدليل المذكور وبنوا على عدم إثباته لمنع الاجتماع بين المعنيين على ما هو المفروض في المقام فلا يتجه نفي الخلاف عن عدم جواز الاجتماع بالنسبة إلى المجاز البياني فإن قلت إن الظاهر مما ذكره علماء البيان هو كون القرينة مانعة عن إرادة الحقيقة مطلقا ليمكن جعله فارقا بين المجاز والكناية لما هو ظاهر من كون كل من المعنى الحقيقي والكنائي مرادا هناك بإرادة مستقلة إذ ليس المقصود هناك مجموع المعنيين ولا أحدهما فلا يتم الفرق المذكور إلا على ما بيناه قلت إن المقصود مما ذكرنا إمكان وقوع الخلاف في المقام نظرا إلى حمل كلامهم على ذلك كما توهمه أولئك الأعلام لا تصحيح حمله على ذلك فلا يتجه لأجل ذلك الحكم بانتفاء الخلاف عن جواز الاستعمال بالنسبة إليه وإن كان المتجه عدم جوازه كما يشهد به الشرط المذكور ولا يلزم من ذلك جواز الاجتماع بالكناية لما عرفت مما أوضحناه فظهر أيضا بما قررنا اندفاع ما أورده الجماعة على الدليل المذكور قوله إنه ليس بين إرادة الحقيقة إلى آخره هذا مبني على إنكار كون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا إذ ليست القرينة شرطا في صحة استعمال المجاز حتى يكون ملزوما لها بحسب اللغة فلو استعمل اللفظ في المعنى المجازي من دون ذكر قرينة أصلا لم يكن ذلك غلطا في الاستعمال بحسب اللغة وإنما يكون قبيحا من جهة الإغراء بالجهل حتى إنه إذا لم يكن إغراء بالجهل لم يكن هناك مانع أصلا كما إذا استعمل المجازات في الأدعية من دون ذكر القرينة لوضوح المقصود عنده تعالى وكذا لو جاز الكذب لأجل الضرورة فوري المستعمل في كلامه بإرادة المعنى المجازي تفصّيا من الكذب كان الاستعمال صحيحا قطعا ويشير إلى ذلك أنه لا يعتبر في القرينة أن تكون مقارنة للمجاز لجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب في الجملة كما هو المعروف ومن البعيد أن تكون القرينة المتأخرة شرطا في صحة الاستعمال الحاصل في زمان آخر قبله فإذا ثبت أن ذكر القرينة لأجل الإفهام لا لأجل كونها شرطا في صحة الاستعمال ظهر فساد كون المجاز ملزوما بحسب اللغة للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا فإن ما يراد بها إفهام المخاطب إرادة المعنى المجازي وهو حاصل بإقامة القرينة على إفهام المعنى المجازي في الجملة سواء أريد معه المعنى الحقيقي أيضا أو لا ويدفعه أن ما ذكر من كون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة مطلقا ليس مبنيا على كون القرينة شرطا في صحة التجوز بل يتم ذلك مع كون القرينة لأجل الإفهام حيث إنه بعد الوقف انفهامه على قيام القرينة وكون الكلام مسوقا لأجل الإفهام يكون إرادة المعنى المجازي ملزوما للقرينة المفهمة لكن إرادة المعنى المجازي على النحو الذي فصلناه لا يجامع إرادة المعنى الحقيقي إذ لا يصح أن يراد من لفظ واحد معنيان مستقلان حسبما مر القول فيه بل لا حاجة في المقام إلى ما قررناه في المشترك نظرا إلى أن إرادة المعنى المجازي من اللفظ موقوفا على ترخيص الواضح قطعا والقدر الثابت من ترخيصه من التتبع في الاستعمالات