وأمّا الكتاب :
فالّذي يدلّ منه على مطلوبهم على ما زعموا آيات :
الأولى : قوله تعالى
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
« 1 » .
والتقريب : أنّ الآية تدلّ على وجوب الحذر بعد الإنذار الواجب ، إمّا لأنّ الحذر لا يعقل جوازه بعد وجود المقتضي وعند عدمه لا يحسن . وإمّا لأنّ وجوب الإنذار المفروض في الآية مقدّمة للحذر يدلّ على وجوبه ؛ لأنّ وجوب المقدّمة دليل على وجوب ذيها . وإمّا لأنّ عدم وجوب الحذر على تقدير وجوب الإنذار يوجب اللغو ، نظير ما تمسّك في المسالك من قوله تعالى
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ
على وجوب اتّباع قولهنّ « 2 » ، والإنذار عبارة عن الإبلاغ مع التخويف ، وهو كما يصدق في الرواية ، فكذلك يصدق في الفتوى .
بل الظاهر أنّ دلالتها على وجوب قبول الفتوى أظهر من دلالتها على قبول الرواية ؛ لأنّ الحكاية بدون التخويف لا يسمّى إنذارا ومع التخويف لا دليل على اعتباره ؛ لأنّ التخويف موقوف على اجتهاد المنذر في الحكاية ، ولا دليل على لزوم متابعة الراوي إذا لم يكن فهمه في حق المنذر - بالفتح - حجّة . بخلاف المفتي ، فإنّ اعتقاده حجّة في حقّ المستفتي ، فلو قال : « أيّها الناس ! اتّقوا اللّه في شرب الخمر » فإنّه يترتّب عليه المؤاخذة الإلهيّة فقد حصل التخويف ووجب التخوّف والحذر ، إمّا لوجود المقتضي ، وإمّا لوجوب الإنذار ، وإمّا للزوم اللغو .
ويتمّ فيما لا يحصل معه التخوّف - إمّا لعدم التخويف أو لغيره - بعدم القول بالفصل .
هامش
( 1 ) التوبة : 122 .
( 2 ) المسالك 9 : 194 ، والآية من سورة البقرة : 228 .