على الإباحة إمّا بالخصوص أو بالعموم ، كالشبهات الموضوعية ، فما لم يصل الدليل من قبل الشارع على الإباحة يكون مقتضى الأصل هو الحظر . واستدلّوا على ذلك بوجهين :
الأول : وهو الذي ذكره الشيخ رحمه اللّه أيضا هو : أنّ الإقدام على ما لا يؤمّن مفسدته كالإقدام على المقطوع مفسدته .
وفيه : أنّ هذا الوجه مدلوله ليس إلّا قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ، غاية الأمر تغيّرت العبارة ، فعلى هذا نقول بأنّه قلنا سابقا : إنّه لا مجال لهذه القاعدة مع حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان ، ولا يبقى مورد لهذه القاعدة .
الثاني : وهو أمتن من الوجه الأول ، وهو : أنّه لا يجوز التصرّف في متعلّق حقّ إلّا بإذن صاحبه ، وهذه الكبرى مسلّمة ، ومن المسلّم أنّ تمام الأشياء مخلوق اللّه تعالى ، وهو مالكها وفي يد قدرته أزمة أمورها ، والعبد ملك لمولاه فلا يجوز له التصرف إلّا بإذنه لا في سائر الأشياء ، ولا في نفسه ، لأنّ نفسه أيضا ملك للّه الأحد ، فعلى هذا لا يجوز للناس التصرف والتدخّل بصورة عامّة إلّا بإذن اللّه تعالى ، فالاتيان بالمشتبه وارتكابه لا يجوز ، لأنّه تصرف في ملكه بلا إذن منه ، فما لم يأذن اللّه تعالى لا يجوز تصرف أبدا .
وفيه : أمّا أوّلا فإنّه سلّمنا بأنّ الأشياء مخلوقة له تعالى ، وأنّها في ملكه وفي قبضته ولكنّ ما قلت من أنّه لا يجوز التصرف في الأشياء ليس في محلّه ؛ لأنّه بعد ما نعلم بأنّ بناء اللّه تعالى - كما هو اعتقاد العدلية - هو أن لا يأمر بشيء إلّا وأن يكون فيه المصلحة ، ولا ينهى عن شيء إلّا وفيه المفسدة ، فأمره ونهيه تابع للمصلحة والمفسدة ، ففي كلّ ما أمر يلزم الاتّباع لأنّ فيه الصلاح ، وعن كلّ ما نهى يجب الارتداع لأنّ فيه الفساد ، فليس ما قلت من عدم جواز التصرف مطلقا في محلّه .
وإن قلت : بأنه على ما قلت من أنّ أوامره ونواهيه تابع للمصلحة والمفسدة
المحجة في تقريرات الحجة بحوث في أصول الفقه تقريرا لبحث السيد محمد الحجة الكوه كمري التبريزي — صفحة 216
مساهمون: الشيخ علي الصافي الگلبايگاني
ص٢١٦