في نفسه ومستقلا كذلك لا يعتبر في معناها ( 1 ) لحاظه في غيرها آلة ، وكما لا يكون لحاظه ( 2 ) فيه موجبا لجزئيته ( 3 ) فليكن كذلك فيها .
إن قلت : على هذا ( 4 ) لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة « من » ولفظ الابتداء مترادفين ، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها ( 5 ) وهو باطل بالضرورة ، كما هو واضح .
قلت : الفرق بينهما ( 6 ) إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع ، حيث إنّه وضع
شرح
( 1 ) أي : معنى كلمة « من » والضمير في « لحاظه » راجع إلى المعنى . وفي « غيرها » يرجع إلى كلمة « من » .
( 2 ) أي : لحاظ الاستقلال في معنى لفظ الابتداء .
( 3 ) أي : لجزئية معنى لفظ الابتداء ، والضمير في « فيها » يرجع إلى كلمة « من » ، أي :
فليكن لحاظ الآلية في معنى كلمة « من » غير موجب لجزئيته .
( 4 ) أي : على ما ذكرتم في التحقيق من : إنّ اللحاظ الذهني لا دخل له في المعنى الحرفي ، كما لا دخل له في المعنى الاسمي « لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى » .
ولازم ذلك هو الترادف المستلزم لصحة استعمال كلمة « من » مكان لفظ الابتداء وبالعكس ، وهو باطل بالضرورة ؛ إذ لا يصح أن يقال « سرت ابتداء البصرة » مكان « سرت من البصرة » .
ويمكن تقريب الإشكال بالقياس الاستثنائي بأن يقال : لو كان معنى الحرف متحدا مع معنى الاسم - كما بيّنتم - لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى والتالي باطل فالمقدم مثله . والملازمة بين المقدم والتالي ثابتة بالفرض ؛ لأن المفروض اتحاد الموضوع له في الاسم والحرف ؛ بمعنى : أن معنى كلمة « من » ولفظ الابتداء هو مفهوم الابتداء .
وأمّا بطلان التالي فإنّ لازم عدم الفرق هو الترادف المستلزم لصحة استعمال كل منهما مكان الآخر وهو باطل كما عرفت .
( 5 ) أي : الحروف مثل لفظ الاستعلاء ، بمعنى : على ، ولفظ الانتهاء بمعنى : إلى .