جواز التراخي ، والدليل عليه : تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقييدها بأحدهما ، فلا بد في التقييد من دلالة أخرى ، كما ادّعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية ( 1 ) .
شرح
على عدم دلالة الصيغة على شيء من الفور والتراخي « هو : تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها » أي : من الصيغة « بلا دلالة على تقييدها » أي : الطبيعة المأمور بها « بأحدهما » أي :
الفور والتراخي ، « فلا بد في التقييد من دلالة أخرى » أي : غير الدلالة الراجعة إلى الصيغة .
فالمتحصل : أنه إذا تمسكنا بالإطلاق ونفينا به الفورية كان لازم ذلك : جواز التراخي لأنه لا فرق في حجية الأصول اللفظية بين المثبت منها وغيره ، هذا فيما إذا كان هناك أصل لفظي كالإطلاق مثلا .
وأما إذا لم يكن - كما إذا كان الدليل مجملا - فالمرجع هو الأصل العملي - وهو في المقام أصالة البراءة - للشك في اعتبار خصوصية زائدة كالفور والتراخي ، وحيث لا دليل عليه فأصالة البراءة تقتضي عدم اعتبارها ، ولازم ذلك : جواز التراخي .
وكيف كان ؛ فالحق عند المصنف هو : عدم دلالة الصيغة على الفور والتراخي إلّا بالدلالة الخارجية ، ويتمسك بالأدلة الخارجية كآيتي المسارعة والاستباق على الفورية .
( 1 ) قال في المعالم في عداد أدلة القائلين بالفور : الرابع : قوله تعالى :وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ« 1 » فإن المراد بالمغفرة سببها وهو فعل المأمور به لا حقيقتها ؛ لأنها فعل الله سبحانه ، فيستحيل مسارعة العبد إليها ، وحينئذ فيجب المسارعة إلى فعل المأمور به .
وقوله تعالى :فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ *« 1 » ؛ فإن فعل المأمور به من الخيرات فيجب الاستباق إليه ، وإنما يتحقق المسارعة والاستباق بأن يفعل بالفور وهو المطلوب عند القائلين بالفور ، فالحاصل : أن الإتيان بالمأمور به خير وسبب للمغفرة ، ثم المراد بغفران السيئات ليس هو الإحباط بمعنى : مقابلة السيئة للحسنة ، ثم حصول الكسر والانكسار في الدنيا ؛ لبطلان هذا بالإجماع ؛ فإن العقلاء يحكمون بأن الناس مجزيون بأعمالهم ، وأما بمعنى :
إذهاب أحدهما الآخر مع بقائه فلا إشكال فيه ؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات ، والكفر والشرك والغيبة والحسد يحبط الحسنات .
وكيف كان ؛ فدلالة التسابق على الفور واضحة ؛ لأن فعل المأمور به من الخيرات ، فيجب الاستباق إليه بمقتضى الآية المباركة .
وأما آية المسارعة : فلأنه لمّا كانت المسارعة إلى المغفرة - التي هي من أفعال اللّه تعالى
پاورقی
( 1 ) آل عمران : 133 .