شرح
وخلاصة الكلام : أن تعريف المصنف أولى من تعريف المشهور لوجهين :
الأول : تبديل لفظة العلم بالصناعة .
الثاني : أنه مشتمل على قوله : « أو التي ينتهي إليها في مقام العمل » .
وأمّا وجه أولوية تبديل لفظة العلم بالصناعة فلأمرين :
الأول : أن علم الأصول كما سبق عبارة عن نفس المسائل والقواعد لا العلم بها .
الثاني : أنّ العلم هو إدراك فقط ، والإدراك وحده من دون التطبيق العملي لا يكفي لاستنباط الحكم الشرعي .
هذا بخلاف الصناعة فهي إدراك مع العمل على طبق ذلك الإدراك .
وأمّا وجه أولوية تعريف المصنف لاشتماله على الزيادة . فلانّ تعريف المشهور لا يشمل الأصول العملية ، ولا الظن الانسدادي على الحكومة . وتوضيح خروج الأصول العملية عن تعريف المشهور يتوقف على مقدمة وهي : أنّ الأصول العملية تنقسم إلى العقلية والشرعية . والعقلية على أقسام وهي : 1 - البراءة . 2 - الاحتياط . 3 - التخيير .
ثم العقلية بأقسامها ليست ممّا يستنبط بها الأحكام الشرعية ، بل هي إمّا مجرد تنجيز في مقام العمل كالاحتياط أي : حكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل ، أو تعذير في مقام العمل كحكمه بقبح العقاب بلا بيان في البراءة العقلية وحكمه بالتخيير في الدوران بين المحذورين . وأمّا الأصول الشرعية فهي وظائف ظاهرية للمكلف الشاك في مقام العمل وليست مما يستنبط بها الأحكام الشرعية .
إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك خروج الأصول العملية عن تعريف المشهور ، ودخولها في قول المصنف أعني : « أو التي ينتهي إليها في مقام العمل » ، فيكون تعريف المصنف جامعا .
وأمّا خروج الظن المطلق على الحكومة : فلأنّه لو تمت مقدمات الانسداد يحكم العقل بمتابعة مطلق الظن كان شأنه كالعلم مجرد التنجيز والتعذير لا الاستنباط ، هذا بخلاف القول بكشف مقدمات الانسداد عن حكم الشارع بحجيّة مطلق الظن ؛ إذ حينئذ يستنبط به الحكم الشرعي . فلا يلزم خروجه عن تعريف المشهور .
فإن قلت : لما ذا قال المصنف : إنّ الأولى هو تعريفه ، مع إنّ تعريف المشهور غير صحيح أصلا .
قلت : إنّ الأولوية يمكن أن تكون تعينية كالأولوية في قوله تعالى :أُولُوا الْأَرْحامِ