دروس في الكفاية — صفحه 183
ثم لا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه ( 1 ) بما يناسب المقام ، لأجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام . فاعلم : أنه وإن اشتهر بين الأعلام : أن الحرف ما دل على معنى في غيره ( 2 ) ، وقد الماضي مجازا ، مع إن الأمر ليس كذلك ، وليس ذلك إلّا لأجل عدم دلالة الفعل على الزمان بالوضع ، وعدم أخذ الزمان في معنى الفعل وهو المطلوب . امتياز الحرف عن الاسم والفعل ( 1 ) أي : الاسم والفعل . قوله : « بما يناسب المقام » : فيه احتمال أن تكون العبارة في النسخة الأصلية : « مما » بدل « بما » ، ليكون بيانا ل « ما » الموصولة في قوله : « ما به يمتاز الحرف عما عداه » ، أو المراد : بما مقدار ما يناسب المقام . وكيف كان ؛ فتوضيح ذكر امتياز الحرف عما عداه من باب الاطراد في الاستطراد يتوقف على مقدمة وهي : أن معنى الاستطراد هو : سوق الكلام على وجه يلزم منه كلام آخر غير مقصود بالأصالة ، بل كان مقصودا بالتبع ، فذكر ما ليس مقصودا بالأصالة إنما هو من باب الاستطراد . إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن المقصود بالأصالة في الأمر الثالث هو : بيان خروج الأفعال عن حريم نزاع المشتق ، فكان بيان الفرق بين الفعل والاسم - بأن للفعل خصوصية تستلزم الزمان فيدل عليه بالالتزام بخلاف الاسم - من باب الاستطراد ؛ ثم ذكر الحرف وبيان الامتياز بينه وبين ما عداه من الاسم والفعل اطراد في الاستطراد ؛ يعني ؛ تعميم لبيان الفرق بين جميع أقسام الكلمة ؛ ليتضح الامتياز بين كل من الاسم وأخويه . فإن قيل : لما ذا كرر المصنف بحث الحرف وقد مر في بحث الوضع ، فليس تكراره إلّا إتلافا للوقت وتضييعا للعمر ؟ فإنه يقال : إن التكرار إتلاف للوقت لو لم تترتب عليه فائدة ، ومعها يكون مطلوبا عند البلغاء والعقلاء ، ومن فوائده في المقام : بيان عدم المنافاة بين كون المعنى في الحرف كليا ، وبين كونه جزئيا ذهنيا . ومنها : أن بيان الفرق بين معنى الحرف والاسم هنا أوضح مما مر سابقا . ( 2 ) أي : كائنا في غيره ؛ بأن يكون ذلك المعنى قائما بذلك الغير وجودا كقيام العرض بموضوعه . والفرق بينهما : أن العرض قابل للتصور بدون الموضوع ، ومعنى الحرف غير قابل