والسؤال المطروح في هذا البحث هو أن المكلف لو اتضح له خطأ نفسه في قطعه بتحقق الأمر بالجمعة أو خطأ نفسه في قطعه بحجية الشهرة فهل يحكم بالإجزاء في مثله ؟ كلا ، لا يحكم بالإجزاء ، إذ لا أمارة ولا أصل ليحتمل أن وجوب متابعتهما يقتضي الإجزاء ، بل كل ما في الأمر هو تخيّل وجود أمر بصلاة الجمعة أو بمتابعة الشهرة ، فالأمر الشرعي ليس إلّا أمرا توهميا ، وفي مثله لا معنى للإجزاء ، إذ الأمر بالواقع - أي الإتيان بالظهر مثلا - لم يمتثل ، ولا أمر آخر ليكون امتثاله موجبا لاحتمال إجزاءه عن الواقع .
فالمتعين إذن هو عدم الإجزاء في الحالتين المذكورتين - أي حالة القطع بالأمر وحالة القطع بالحجة - إلّا إذا فرض من باب الاتفاق أن متعلّق القطع - أعني صلاة الجمعة مثلا - قد حصلت فيه مصلحة تساوي مصلحة الظهر ، أو فرض أنه حصل فيه مصلحة أقل من مصلحة الظهر - ولو في حالة غير القطع أيضا - مع عدم إمكان تدارك الباقي فيلزم في مثل ذلك الحكم بالإجزاء ، ولكن لا من جهة اقتضاء الأمر التوهمي للإجزاء بل لفرض وجود المصلحة اتفاقا ، ولعلّ من هذا القبيل الجهر بالقراءة في وضع الاخفات وبالعكس ، والاتمام في موضع القصر ، فإنه يحكم في الموارد المذكور بالإجزاء لأن الغفلة عن الوظيفة الواقعية قد يكون سببا لتولّد مصلحة في العمل المأتي به .
ثمّ إنه يترتب على هذا البحث أن المجتهد لو تبدّل رأيه فلا يحكم بالإجزاء ، لأنه ينكشف خطؤه في تصوّر وجود أمر أو أصل ، فهو كان يتصور وجود ذلك ولكنه لم يكن واقعا .
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى — صفحة 33
مساهمون: الشيخ محمد باقر الإيرواني
ص٣٣