تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
كلها إلى بلاط النجاشي للايقاع بهم هناك . ومن أجل هذا السبب نفسه لم يدعوا النبي وأصحابه يرتاحون ، حتى في المدينة ، دار هجرتهم في ما بعد . ولم يكن في المدينة أيما سلطة تحمي المسلمين من أعدائهم القرشيين المتعطشين للدم ، وذلك ما جرّأهم على التفكير بأبادتهم بحدّ السيف . فإذا بغريزة حفظ الذات تدفع المسلمين إلى الردّ على القوة بالقوة دفاعا عن أنفسهم . ومن هنا حدثت تلك المعارك التي خاض المسلمون غمارها كتدبير دفاعي محض . ان قريشا لم تدعهم وشأنهم ، حتى بعد أن فصلتهم عن أهلهم وأخرجتهم من ديارهم . وهكذا لم يكن للمسلمين مناص من الدفاع عن أنفسهم ومواجهة مطارديهم على نحو يليق بالرجال . ومع ذلك فهناك نقّاد يتعامون عن هذه الحقائق التاريخية الثابتة ، فيزعمون أن النبي كان هو البادئ في شنّ هذه الحرب ، ومن أجل ذلك يصمون الاسلام بأنه دين قام بالسيف . والواقع ان أيما شيء لا يمكن أن يكون أبعد من ذلك عن الحقيقة . فالأحداث المتّصلة بالهجرة إلى الحبشة ، كما بسطناها في الفقرات السابقة ، تلقي ضوآ كافيا على هذه الواقعة الراهنة ، وهي ان القرشيين - أيا ما كانت التعاليم الاسلامية ، وسواء أمثّلت في نظرهم هرطقة أم لم تمثّل - كانوا مصمّمين على إبادة الجماعة الاسلامية عن بكرة أبيها ، بأي ثمن . وحين عاد الوفد القرشي من الحبشة بخفي حنين تخطى غيظهم كل حدّ . لقد واصلوا اضطهادهم للمسلمين في اهتياج مضاعف . كانوا حتى ذلك الحين يشهدون صبر المسلمين على هذه المحن القاسية في دهش عظيم . ولكن الهجرة إلى الحبشة أعطتهم برهانا قاطعا على أن المسلمين مستعدون لمختلف ضروب المخاطر ، ولتحمّل كل لون من ألوان التعذيب من أجل عقيدتهم ، وعلى أنهم لن يحجموا عن خوض غمار المخاطر كلها في سبيل اللّه . وفوق هذا ، فعندما تسامع سائر المسلمين في مكة