تتوهج فترة من الزمان ثم تخبو شيئا بعد شيء ، حتى انطفأت آخر الأمر انطفاء كاملا . وعندئذ كانت الحاجة تنشأ إلى مصلح روحيّ ينير العصر المظلم ، ومن ثم إلى بعثة نبوية اثر بعثة نبوية . ولكن بينا حققت العناية الإلهية مصلحة الانسان الروحية ، باختيارها الرسل حينا بعد حين من بين مختلف الأمم ، أدّى ذلك إلى نشوء انطباعة شديدة الأذى .
فقد شرعت كل أمة ، لجهلها بما أغدق اللّه على الأمم الأخرى من أفضال مماثلة ، تعتقد انها هي شعب اللّه المختار . وهذا ما غذّى الفكرة الضارة القائلة بالمحاباة الإلهية وما رافق ذلك من شرور ملازمة . ولتقويم هذا الشعور بالتمييز العنصري ، وإزالة الأحقاد التي خلقتها التخوم الجغرافية والاجتماعية وبعض الحواجز المصطنعة ، ولصهر الانسانية في كلّ واحد متراصّ ، شاءت الحكمة الإلهية ان تبعث نبيا عالميا ذا رسالة إلى الجنس البشري كله ، نبيا لا تتخطى قوّته الروحية كل تخم فحسب ، بل تحتفظ فوق ذلك بفعاليتها إلى آخر الدهر أيضا . وهكذا ما إن تمّت سلسلة الأنبياء الملّيين بظهور حلقتها الأخيرة ، يسوع ، الذي أرسل - ونحن نستعمل هنا كلماته نفسها - « إلى خراف الإسرائيليين الضالة » حتى آن الأوان لأن تشرق شمس الروحانية على الأفق الديني . لتضيء العالم كله . وهكذا ظهر الرسول الذي كان « رحمة للعالمين » ، وحرّر الانسانية من أصفاد الجهل والخرافة والفساد . وإنما كان الأنبياء السابقون أشبه بمصابيح الهية كثيرة ذات ضياء يكفي هذه الحجرة أو تلك ، ومن هنا مسّت الحاجة إلى مصابيح مختلفة تطابق مختلف المناطق الجغرافية والقومية . لقد سفحت نورها حولها ، فإذا بكل ما هو واقع ضمن نطاقها مشرق متألق . ولكن ما إن بزغت الشمس من رمال بلاد العرب حتى أمست البشرية في غير ما حاجة إلى تلك المصابيح . ولكن ضياء الشمس لا يمكن أن يحل محلّه أيما ضياء آخر ، وهو كاف لأنارة العالم إلى يوم يبعثون .
حياة محمد ورسالته — صفحة 282
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢٨٢