تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وكان برغم تواضعه ووداعته البالغين شجاعا كأشجع ما يكون الرجال . إنه لم يستشعر في يوم من الأيام أيّ خوف من أعدائه . وحتى عندما بيّتت المؤامرات في مكة للقضاء على حياته كان لا يكفّ عن التطواف بالبلد ليلا ونهارا . لقد سأل جميع أصحابه ان يهاجروا من مكة ، على حين لبث هو هناك بين أعدائه وحيدا أو يكاد . وعندما انتهى مطاردوه إلى فم الغار بالذات لم يعرف الخوف سبيلا إلى قلبه . لقد عزّى صاحبه قائلا : « لا تحزن ان اللّه معنا . » وفي معركة أحد عندما وقع جيشه كله في ضرب من الشرك ، صاح بأعلى صوته ، غير مبال بالخطر المحدق به ، ليجمع شتات جنوده . وفي مناسبة أخرى ، عندما ولى أفراد جيشه الأدبار ، تقدّم وحده نحو العدو ، وهتف : « أنا رسول اللّه ! » وحين خاف المسلمون ، مرة ، أن يغار عليهم ليلا كان هو أول من خرج يستكشف ضواحي المدينة ، ممتطيا جواده من غير أن يسرجه . وفي رحلة قام بها الرسول ، وبينا كان قاعدا وحده في ظل شجرة ، انقضّ عليه عدوّ من أعدائه وصاح وهو شاهر سيفه : « من الذي يستطيع أن ينقذك ، الآن ، من يديّ ؟ » ومن غير أن يتطرق اليه الفزع البتة أجابه قائلا : « اللّه » . ومن عجب أن سيف عدوّه ما لبث أن سقط من يده . فتناول الرسول السيف الساقط وطرح على الرجل السؤال نفسه ، فإذا به يتكشّف عن جبانة بالغة . وأيا ما كان ، فقد خلّى الرسول سبيله . إن تراجم الرسول ، التي كتبها أصدقاء له وأعداء على حد سواء ، لتجمع كلها على الاعجاب بعزمه الراسخ وثباته الذي لا يتزعزع ، في أشد المحن قسوة . كان اليأس والقنوط لا يعرفان إلى قلبه سبيلا . فعلى الرغم من أن المستقبل المظلم والمقاومة العنيدة كانا يكتنفانه من أقطاره جميعا فأن ايمانه بالنصر النهائي لم يهن لحظة واحدة . لقد عجزت أعتى عاصفة من عواصف الشدائد عن أن تزحزحه عن موقفه قيد