الفارض ، كما عرفت توضيحه ، وبين ما هو موجود بهذا الوجود ، مع أنّه في الوضوح كالنّار على المنار ، والشّمس في رابعة النّهار .
إن قلت : فكيف أجيب عن استدلال الأشاعرة للمغايرة بالأمر مع عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختيار والاعتذار لعدم الطّلب فيهما أصلا كالإرادة فيهما قطعا ، فهل قيست فيه الإرادة الحقيقة إلاّ مع الطّلب بالصّيغة .
قلت : الجواب ناظر إلى رفع سفسطتهم ورفع مغالطتهم الّتي تشبه المغالطة النّاشئة من اشتباه المفهوم بالمصداق .
بيانها انّه في هاتين الصّورتين لا شبهة في انفكاك الطّلب عن الإرادة لثبوت الطّلب بسبب الصّيغة ، وإلاّ يلزم استعماله « 1 » بلا معنى ، ضرورة انّ مثل الاختيار والاعتذار ليس ممّا يستعمل فيه كما لا يخفى ، بل هو من دواعي استعمالها « 2 » في معناها ، كما أشرنا إليه في الفائدة السّابقة ، هذا مع انتفاء إرادة المطلوب فيهما قطعا ، وهي ينافي الاتحاد بداهة .
وبيان دفعها انّه كما لا إرادة فيهما حقيقة لا طلب فيهما كذلك ، والثّابت بالصّيغة فيهما ليس إلاّ طلبا إنشائيّا محضا ، من دون ان تتّبع « 3 » ما يكون طلبا حقيقيّا يصدق عليه الطّلب بالحمل الشّائع وإن كان يتبعه فيما إذا كان الأمر حقيقيّا للبعث والتّحريك عن « 4 » نحو المأمور به ، فلا يضرّ ثبوته كذلك مع عدم ثبوت الإرادة حقيقة بالاتّحاد شيئا أصلا ، إنّما يضرّ به مع عدم ثبوت الإنشائيّة منها ، وهو لا يكون بيّنا ولا مبيّنا في الاستدلال ، والوقوع في هذه المغالطة أوجب أن يميل بعض المحقّقين إلى مذهب الأشاعرة ، ولا غرو في ذلك إذا الجواد قد يكبو والصّارم قد ينبو ، والخطاء والنّسيان كالطّبيعة الثّانية للإنسان ، وكون الصّيغة في مثل الصّورتين مستعملة في معناها الحقيقي بناء على وضعها للمعنى الإنشائيّ ، من دون تقييد بمقام ، أو في المعنى المجازي بناء على انّ التّقييد خارج عن محلّ الكلام ومورد النّقض والإبرام في المقام .
فإذا اتّضح المراد من حيث « 5 » الاتّحاد بين الطّلب والإرادة ، صحّ انّه إذا راجعنا الوجدان في حال الأمر حقيقة لا نعقل ولا نجد في أنفسنا غير إرادة المأمور به من المأمور ، وما يتوقّف عليه الإنشاء من تصوّر اللّفظ والمعنى وقصد إيجاده به على نحو
هامش
( 1 ) - خ ل : استعمالها .
( 2 ) - خ ل : استعمالهما .
( 3 ) - خ ل : يتبع .
( 4 ) - خ ل : عن هذا .
( 5 ) - خ ل : حديث .