وأمّا إذا كان لفظا ( 2810 ) ؛ فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ ؛ لأنّه يدلّ على وجوب العمل عينا بكلّ خبر مثلا ، ولا ريب أنّ وجوب العمل عينا بكلّ من المتعارضين ممتنع ، والعمل بكلّ منهما تخييرا لا دليل عليه ؛ إذ
شرح
لاختيار المكلّف في ذلك ، بأن تخيّر المكلّف في الحكم بتنجّس الماء القليل بالملاقاة وعدمه إذا فرض تعارض الدليلين فيه ، أو تخيّر في الحكم بصحّة عقد وفساده كذلك ، أو في الحكم بكون الإتلاف سببا للضمان وعدمه ، وهكذا .
وأمّا الثاني ، فإنّ التخيير العقلي إنّما هو فيما علم بحقيّة أحد الدليلين وبطلان الآخر كما تقدّم سابقا ، وهو مستلزم للقول بالترجيح بلا مرجّح ، لأنّ الكلام في المقام في تعادل الدليلين ، بمعنى تساويهما في استجماعهما لجميع شرائط الحجّية وفي جميع جهات الترجيح . وحينئذ إن أريد بحجّية أحدهما كون مدلول أحدهما مطابقا للحكم الواقعي دون الآخر ، ففيه : مع كونه تحكّما أنّه خلاف الفرض ، لاحتمال مخالفة كلّ منهما للواقع ، إذ الفرض عدم العلم بانحصار الواقع في مدلولهما . وإن أريد بها اعتبار أحدهما بحسب جعل الشارع ، ففيه : أنّ الفرض تساويهما في شمول أدلّة اعتبارهما ، فالقول بحجّية أحدهما المعيّن في الواقع ترجيح بلا مرجّح .
فظهر ممّا ذكرناه صحّة ما قدّمناه من عدم صحّة الحصر إلّا فيما كان تعارض الدليلين في حكم وضعي ، أو كان المراد بالتخيير هو التخيير العقلي دون الشرعيّ . ولكنّهما خلاف الفرض . أمّا الأوّل فلعدم انحصار مورد التعارض فيه ، سيّما على المختار من كون الأحكام الوضعيّة منتزعة من الأحكام الطلبيّة لا مجعولة . وأمّا الثاني فإنّ المراد بالتخيير هنا هو الشرعيّ دون العقلي كما سيجيء .
2810 . قد يستند في منع شمول الأدلّة اللفظيّة للمتعارضين إلى دعوى انصرافها إلى غير صورة التعارض . ويعضده وقوع السؤال عن حكم المتعارضين في أخبار العلاج ، إذ لو كانت الأدلّة شاملة لصورة التعارض لم يحتج إلى السؤال عنها ، لاستقلال العقل حينئذ بالتخيير .