مقدّمات استنباط المطالب الاعتقاديّة الاصوليّة والعمليّة من الأدلّة العقليّة والنقليّة ، فيتركها بغضا لها ؛ لأنّ الناس أعداء ما جهلوا ، ويشتغل بمعرفة صفات الربّ جلّ ذكره وأوصاف حججه صلوات اللّه عليهم ، ينظر في الأخبار لا يعرف من ألفاظها الفاعل من المفعول فضلا عن معرفة الخاصّ من العامّ ، وينظر في المطالب العقليّة لا يعرف به البديهيّات منها ، ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العمليّة والاستهزاء بهم بقصور الفهم وسوء النيّة ، فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون .
هذا كلّه ( 1008 ) حال وجوب المعرفة مستقلا ، وأمّا اعتبار ذلك ( 1009 ) في الإسلام أو الإيمان فلا دليل عليه ، بل يدلّ على خلافه الأخبار الكثيرة المفسّرة لمعنى الإسلام والإيمان . ففي رواية محمّد بن سالم عن أبي جعفر عليه السّلام المرويّة في الكافي : « إنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وهو بمكّة عشر سنين ، فلم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلّا أدخله اللّه الجنّة بإقراره ، وهو إيمان التصديق » ؛ 9 فإنّ الظاهر أنّ حقيقة الإيمان التي يخرج الإنسان بها عن حدّ الكفر الموجب للخلود في النار ، لم تتغيّر بعد انتشار الشريعة . نعم ، ظهر في الشريعة أمور صارت ضروريّة الثبوت من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيعتبر في الإسلام عدم إنكارها ، لكنّ هذا لا يوجب التغيير ؛ فإنّ المقصود أنّه لم يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد والتصديق بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبكونه رسولا صادقا فيما يبلّغ ، وليس المراد معرفة تفاصيل ذلك وإلّا لم يكن من آمن بمكّة من أهل الجنّة أو كان حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الإسلام . وفي رواية سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرّفه اللّه تبارك وتعالى إيّاه فيقرّ له بالطاعة ويعرّفه نبيّه فيقرّ له بالطاعة ويعرّفه إمامه وحجّته في أرضه وشاهده على خلقه فيقرّ له
شرح
1008 . يعني : وجوب المعرفة بتفاصيل المعارف .
1009 . ولعلّ الوجه في تمسّكه بالأخبار المذكورة في إثبات حقيقة الإيمان هو دعوى تواترها ولو معنى ، أو إثبات ما يتفرّع عليه من الأحكام الفرعيّة .