شرح
يقال : إنّ التكليف بالأحكام الواقعيّة ثابت ، وسبيل العلم إليها منسدّ ، والاحتياط غير واجب ، وأصالة البراءة والاستصحاب غير جاريتين ، وحينئذ يدور الأمر بين العمل بالمظنون والموهوم ، والعمل بالأوّل متعيّن ، لأنّ التوقّف عن الترجيح كترجيح المرجوح قبيح . وإن لم تنضمّ إليه المقدّمات المذكورة أمكن أن يقال بعدم وجوب الإفتاء في الواقعة وبالاحتياط في مقام العمل ، لأنّ مقتضى القاعدة بعد الانسداد هو وجوب الاحتياط في موارد الاحتياط .
وحينئذ يرد على المصنّف رحمه اللّه أنّ الدليل المذكور إذا كان مبنيّا على إحراز مقدّمات دليل الانسداد فلا وقع لما أورده على الدليل المذكور بالحلّ ، من تسليم القبح تارة ، ومنعه أخرى ، وإرجاعه إلى دليل الانسداد ثالثة ، كما يظهر بالتأمّل .
وإن لم يكن مبنيّا على ما ذكر فلا وجه لدعوى قبح التوقّف عن الترجيح كما عرفت .
ويمكن أن يكون مراد المجيب بمنع وجوب الترجيح منعه لأجل عدم وجوب الإفتاء في مورد تعذّر فيه العلم ، ولو كان ذلك في مسألة واحدة ، لا لأجل عدم ثبوت مقدّمات الانسداد ، بأن يقال : إنّ قبح ترجيح المرجوح على الراجح على تقدير العمل بالوهم إنّما يلزم لو ثبت وجوب الإفتاء في مورد تعذّر فيه العلم ، ولم يثبت وجوبه ، لمخالفة الأخباريّين فيه ، لإيجابهم التوقّف والاحتياط حينئذ ، ولا ريب أنّه مع التوقّف وعدم الإفتاء لا يجب العمل بالظنّ حتّى يقال إنّه لو لم يجب لزم العمل بالوهم ، وهو يستلزم ترجيح المرجوح على الراجح .
ولكن يرد عليه حينئذ أوّلا : أنّ مخالفة الأخباريّين للمجتهدين في وجوب الإفتاء إنّما هي بحسب الصغرى ، لأنّهم إنّما أوجبوا التوقّف والاحتياط فيما تعذّر فيه العلم ، لزعمهم انفتاح باب العلم في أغلب الأحكام لأجل الأخبار المتواترة أو المحفوفة بالقرائن القطعيّة ، وإلّا فلا مخالفة لهم في وجوب الإفتاء على طبق الظنّ على تقدير عدم قطعيّة الأخبار ، فمخالفتهم غير قادحة في دعوى الإجماع على وجوب الإفتاء في محلّ الفرض ، بعد انكشاف فساد ما توهّموه من قطعيّة أكثر