والإنصاف : أنّ الدالّ منها لم يدلّ إلّا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه ، وهو الذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء ، والمعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا بحيث لا يعتني به العقلاء ولا يكون عندهم موجبا للتحيّر والتردّد الذي لا ينافي حصول مسمّى الرجحان ، كما نشاهد في الظنون الحاصلة بعد التروّي في شكوك الصلاة ، فافهم . وليكن على ذكر منك ؛ لينفعك فيما بعد .
شرح
حكم العقل إلى تشخيص ما هو صادر عنهم عليهم السّلام . ولا ريب أنّ مقتضى العلم الإجمالي المذكور هو العمل بالأخبار بمقدار يرتفع معه العلم الإجمالي ، وهو يحصل بالعمل بالأخبار الموثوق بالصدور ، لكثرة هذا القسم من الأخبار بحيث لا يبقى العلم الإجمالي بعد العمل بها .
وأمّا الثاني فإنّ بنائه في بادئ النظر وإن كان على مقدّمتين : إحداهما : العلم إجمالا بثبوت التكليف بالأصول الضروريّة ، مثل الصلاة والصوم والحجّ ونحوها .
والأخرى : عدم معرفة هذه الأصول على نحو ما هو المطلوب في الواقع إلا بالرجوع إلى الأخبار المودعة في الكتب المعتبرة في معرفة أجزائها وشرائطها وموانعها ، بحيث لو اقتصر في معرفة هذه الأصول على ما هو المعلوم من أجزائها وشرائطها وموانعها تخرج من كونها هذه الأصول . ونتيجة المقدّمتين وجوب العمل بكلّ خبر وارد في بيان ماهيّاتها وأجزائها وشرائطها وموانعها ، تحصيلا للموافقة القطعيّة لما هو المعلوم من الأمر المجمل .
إلّا أنّ التأمّل الصادق في كلام الفاضل التوني يعطي خلاف ذلك ، لأنّه حيث أقحم لفظ الأنكحة والبيوع في الأصول الضرورة ، علم أنّ مراده إثبات جواز العمل بالأخبار ، لأجل العلم الإجمالي بوجود الأخبار الصادرة عن الأئمّة عليهم السّلام في جملة الأخبار المودعة في الكتب المعتبرة ، لا من جهة محض العلم الإجمالي بثبوت التكليف بأمر مجمل موقوفة معرفة تفصيله على الرجوع إلى تلك الأخبار ، لأنّ ألفاظ الأنكحة والبيوع ليست كألفاظ العبادات مجملة من جهة وضعها للصحيحة على القول به ، لأنّها مطلقات يجب الاقتصار في تقييدها على مقدار يرتفع به العلم