في بيان حرمة التشريع
إذا عرفت هذا ، فلا يخفى أن التشريع في أمر المولى مما يستقل بقبحه العقل ، بحيث يرى فاعله مستحقا للعقاب ، لأنه تجاسر عليه وهتك له ، وطغيان بالنسبة إليه ، فلو ورد حينئذ خطاب من الشارع في الكتاب الكريم أو الروايات الواردة عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام يكون إرشاديا ، بل الظاهر من قوله تعالى
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
« 1 » أنه إرشاد إلى حكم العقل بأن الافتراء لما كان محرّما عند الكل بحكم العقل فيكون الإسناد بلا إذن محرما .
فإن قلت : إن الافتراء حرام عقلا ، ولا إشكال أن حرمته الشرعية لا تكون إرشادية ، بل من المحرمات المولوية كالظلم والكذب .
قلت : الافتراء حرام عقلا وشرعا استقلالا ، إذا لم يكن بالنسبة إلى المولى ، ولذا لا يستحق عليه العقاب ، مع قطع النظر عن حرمته الشرعية كالظلم ، وأما إذا كان بالنسبة إلى المولى فلما كان مستحقا عليه العقاب ، لا يكون النهي الشرعي بالنسبة إليه مولويا .
وبالجملة ، كلما كان راجعا إلى المولى - مثل الإطاعة والمعصية والتشريع وأمثال ذلك - يكون الخطاب الوارد بالنسبة إليه إرشاديا ، لمكان استحقاق الثواب والعقاب ، وعدم حصول الداعوية الزائدة عما هو حاصل قبله ، وكلما لم يكن كذلك فالخطاب بالنسبة إليه مولوي .
ومما ذكرنا ظهر أنه لا تكون حرمة التشريع من جهة أنه من أفراد الكذب المطلق كما في كلام هذا البعض « قده » ، بل من جهة أنه من أفراد الكذب المخصوص ، وهو الكذب
هامش
( 1 ) . سورة يونس / الآية 59 .