قلت : لو سلّمنا احتمال المصلحة في عدم بيان الضرر الأخروي ، إلّا إنّ قولهم عليهم السّلام : ( كل شيء لك حلال ) بيان لعدم الضرر الأخروي ، وأمّا الضرر الغير الأخروي فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع ، وآية التهلكة مختصّة بمظنّة الهلاك ، وقد صرّح الفقهاء في باب المسافر بأنّ سلوك الطريق الذي يظنّ معه العطب معصية ، دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك ، وكذا في باب التيمّم والإفطار لم يرخّصوا إلّا مع ظنّ الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشكّ .
نعم ، ذكر قليل من متأخّري المتأخّرين انسحاب حكم الإفطار والتيمّم مع الشكّ أيضا ، لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر ، بل لدعوى تعلّق الحكم في الأدلّة
شرح
( قلت : لو سلمنا احتمال المصلحة في عدم بيان الضرر الأخروي . . . إلى آخره ) .
وحاصل الجواب عن الشقّ الأوّل هو أنا لا نسلّم احتمال وجود المصلحة في عدم بيان الضرر الأخروي أوّلا .
وثانيا : إنّ هذا الاحتمال خارج عن المقام ، وذلك لعدم تعلّقه بالشبهة الموضوعيّة ، واختصاصه بالشبهة الحكميّة الناشئة من عدم بيان الشارع لمصلحة في عدم البيان ، ومن المعلوم أنّ الشبهة الناشئة من عدم البيان تكون حكميّة .
وثالثا : إنّ قولهم عليهم السّلام : ( كلّ شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام ) بيان لعدم الضرر الأخروي ، ولذلك يطمئن العقل بعدم العقاب .
وأما الجواب عن الشقّ الثاني ، فقد أشار إليه المصنّف قدّس سرّه بقوله : ( وأما الضرر الغير الأخروي فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع ) .
إذ تقدّم عدم وجوب دفع المقطوع منه فضلا عن المشكوك منه ، وأمّا الآية فمختصّة في دفع الضرر المقطوع والمظنون دون المحتمل ، كما يظهر من فتاوى الفقهاء في باب المسافر حيث قالوا : بأنّ سلوك الطريق الذي يظنّ معه الضرر معصية . وهكذا في باب التيمّم والإفطار لم يرخصوا التيمّم مع وجود الماء ، والإفطار في شهر رمضان المبارك ، إلّا مع الظنّ بالضرر الموجب لحرمة العبادة .
( نعم ، ذكر قليل من متأخّري المتأخّرين انسحاب حكم الإفطار والتيمّم مع الشك أيضا ) .
إلّا إنّ هذا الحكم منهم لم يكن مبنيّا على حرمة ارتكاب مشكوك الضرر ووجوب دفع الضرر المحتمل ، وإنّما مبنيّ على خوف الضرر الصادق مع العلم والظنّ والشكّ والوهم