تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في الرسائل — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وفيه ما تقدّم في الآية السابقة ، مع أنّ دلالتها أضعف من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب ، اللهمّ إلّا بالفحوى . ومنها : قوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 1 » .
شرح
عن تركها ، والمحرمات التي يجب الاجتناب عن فعلها . إذا عرفت هذه الأمور يتضح لك تقريب الاستدلال بها على البراءة حيث يكون مفادها - حينئذ - ما كان اللّه ليعذّب قوما إلّا بعد بيان ما يجب عليهم من الأفعال والتروك وبعد إتمام الحجّة عليهم بإيصال التكاليف إليهم . فلا معصية ولا مخالفة في ارتكاب ما يحتمل تحريمه واقعا ، ولا في ترك ما يحتمل وجوبه كذلك عند عدم وصل البيان من الشارع ، وعلى هذا تدل الآية على البراءة في مورد الجهل بالتكليف وعدم البيان . ( وفيه ما تقدم في الآية السابقة ) أي : ويرد في الاستدلال بهذه الآية ما ورد في الاستدلال بالآية السابقة حيث أخبر اللّه تعالى بعدم وقوع العذاب الدنيوي وهو الخذلان قبل البيان ، فيكون ظاهر الآية ما كان الخذلان من اللّه تعالى في الدنيا على الأمم السابقة ، إلّا بعد بيان ما كان يجب أن يتركوه وما كان يجب أن يفعلوه ، فارتكبوا ما يجب تركه ، وتركوا ما يجب فعله ، فخذلهم اللّه بعد المعصية والمخالفة ، فالآية - حينئذ - أجنبية عن البراءة ، لأنّها تدل على انتفاء الخذلان عند انتفاء البيان ، ولا تدل على انتفاء التكليف عند انتفاء البيان ، إلّا أن يقال : إنّ الآية وإن لم تدل على البراءة بالصراحة ، إلّا إنّها تدل عليها بالأولويّة ، وذلك لأنّه إذا توقف الخذلان - وهو عذاب دنيوي بمعنى سلب التوفيق - على البيان ، لكان العذاب الأخروي متوقفا على البيان بطريق أولى ؛ لكونه أشد من العذاب الدنيوي . وقد أشار المصنّف قدّس سرّه إلى هذا بقوله : اللّهمّ إلّا بالفحوى . ( ومنها : قوله تعالى :لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . . .) . والاستدلال بهذه الآية يتوقف على أن يكون المراد بالهلاكة مطلق الضلالة والشقاوة ،
هامش
( 1 ) الأنفال : 42 .