فكما أنّ مفاد قوله عليه السّلام : ( كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ) « 1 » يفيد الرخصة في الفعل غير المعلوم ورود النهي فيه ، فكذلك ما دلّ على حجّية الشهرة الدالّة مثلا على وجوب شيء ، يفيد وجوب ذلك الشيء من حيث إنّه مظنون مطلقا أو بهذه الأمارة .
ولذا اشتهر أنّ علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيّة ، وهي « هذا ما أدّى إليه ظنّي » ، وكبرى برهانيّة ، وهي : « كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي » . فإنّ الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري ، فإذا كان مفاد الأصل ثبوت الإباحة للفعل غير المعلوم الحرمة ، ومفاد دليل تلك الأمارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة ، كانا متعارضين لا محالة . فإذا بني على العمل بتلك الأمارة ، كان فيه خروج عن عموم الأصل وتخصيص له لا محالة .
هذا ، ولكنّ التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة وإن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل ، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع ، فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له ، كما سيتّضح
شرح
والدليل الدال على الحجّية - أيضا - لا يوجب العلم بالحرمة واقعا ، بل يوجب العلم بالحجّية المستلزمة للعلم بحرمة شرب التتن ظاهرا .
وبالجملة ، إنّ الأمارة لم تكن واردة على الأصل الشرعي ، بل هي مخصّصة له ، كما أشار إليه بقوله :
( فإذا بني على العمل بتلك الأمارة ، كان فيه خروج عن عموم الأصل وتخصيص له . . . ) .
هذا تمام الكلام في المورد الثاني حيث يظهر من كلامه التفصيل المذكور .
وأمّا المورد الثالث ، فقد أشار إليه بقوله :
( ولكن التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة ، وإن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل ، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع ، فهو حاكم على الأصل ) .
وحاصل هذا الكلام منه قدّس سرّه هو - أيضا - التفصيل بين الأصول العقلية والشرعية ، حيث تكون الأدلة الظنّية واردة على الأولى وهي الأصول العقلية ، وحاكمة على الثانية وهي
پاورقی
( 1 ) الوسائل 6 : 289 ، أبواب القنوت ، ب 19 ، ح 3 .