أشار إليهم لا نسلّم أنّهم كلّهم مقلّدة ، بل لا يمتنع أن يكونوا عالمين بالدليل على سبيل الجملة ، كما يقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل الأسواق والعامّة .
وليس من يتعذّر عليهم إيراد الحجج ينبغي أن يكونوا غير عالمين ، لأن إيراد الحجج والمناظرة صناعة ، ليس يقف حصول المعرفة على حصولها ، كما قلنا في أصحاب الجملة .
وليس لأحد أن يقول : هؤلاء ليسوا من أصحاب الجملة ؛ لأنّهم إذا سألوا عن التوحيد أو
Commentary
والاستدلال بالبراهين العقلية ، فعلموا بالحق ، أي : أصول الدين بطريق لا يجوز الاستدلال عليه فيها وهو الأخبار ، فكانوا مخطئين في طريق العلم .
وهذا الخطأ لا يضر بعدالتهم ، لأنّ النظر في أصول الدين واجب نفسي مستقل ، ولا يكون شرطا للإيمان ، فلا يحكم عليهم بحكم الفسّاق ، وحينئذ يقبل منهم ما نقلوه من الأخبار فتكون حجّة .
هذا مضافا إلى أنّه ( لا نسلّم أنّهم كلّهم مقلّدة ) في أصول الدين ( بل لا يمتنع أن يكونوا عالمين بالدليل على سبيل الجملة ) ، أي : بالدليل الإجمالي ، فيكونوا من أصحاب الجملة ، الذين يعلمون الحق عن طريق دليل إجمالي ، مع عدم قدرتهم على إيراده بحسب الاصطلاحات المقرّرة عند أهلها ، كغالب العوام وأهل الأسواق ، ولا يحكم العلماء بأنّهم مقلّدة ، بل يقولون أنّهم يعلمون أصول دينهم بالدليل الإجمالي .
قوله : ( وليس من يتعذّر عليهم إيراد الحجج ينبغي أن يكونوا غير عالمين ) دفع لما يتوهّم من أنّ الأخباريين مقلّدون ؛ لأنّهم لو لم يكونوا كذلك لكانوا مستدلّين بالبراهين والحجج ، فدفع هذا التوهّم .
وحاصل الدفع : إنّهم ليسوا من المقلّدة ، وعدم استدلالهم بالبراهين والحجج ، كان لأجل عدم تمكنهم على إقامة البرهان بالطريق الفني الفلسفي ، فلا يكون دليلا على أنّهم غير عالمين .
ولا يجب أن يكون حصول المعرفة بأصول الدين عن طريق الفن الخاص ، بل الواجب هو المعرفة بأصول الدين ولو بالدليل الإجمالي البسيط ، كقول الأعرابي : « البعرة تدل على البعير ، وآثار القدم تدل على المسير » ، فهم كأصحاب الجملة يكونون عالمين لا مقلّدين .
قوله : ( وليس لأحد أن يقول : هؤلاء ليسوا من أصحاب الجملة ) دفع لما يمكن أن يقال :