« فإن قلت : لا فرق في ذلك بين العقليّات والشرعيّات ، والشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وفي الفروع الفقهيّة .
قلت : إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة بالمقدّمة النقليّة الظّنية أو القطعيّة ، ومن الموضّحات لما ذكرناه - من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادّة الفكر - أنّ المشّائين ادّعوا البداهة في أنّ تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه وإحداث لشخصين آخرين ، وعلى هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولى ، والاشراقيّين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل ، وإنّما انعدمت صفة من صفاته وهو الاتّصال » .
ثمّ قال : « إذا عرفت ما مهّدناه من المقدّمة الدقيقة الشريفة ، فنقول : إن تمسّكنا بكلامهم عليهم السّلام فقد عصمنا من الخطأ ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم منه » انتهى كلامه .
والمستفاد من كلامه عدم حجّيّة إدراكات العقل في غير المحسوسات ، وما تكون مبادئه قريبة من الاحساس إذا لم تتوافق عليه العقول .
شرح
وجعل تفريقهما إلى الأنبياء ، هو أنّ بيان الحق منحصر بالأنبياء ، ثم الأوصياء ، فيجب علينا أن نأخذ الأحكام منهم ، وكل حكم وصل إلينا منهم يكون حقا ، والّا فلا ، فالحكم المستفاد من المقدمات العقلية لا يعلم أنه حقّ وإن حصل لنا القطع به .
( فإن قلت : لا فرق في ذلك ) .
أي : كثرة الخطأ بين المقدمات العقلية والشرعية ، فالخطأ كما يقع في المقدمات العقلية كذلك يقع في المقدمات الشرعية ، والشاهد على ذلك ما نشاهد من الاختلافات بين الفقهاء ، حيث يفتي بعض منهم بوجوب الجمعة ، ويفتي الآخر بحرمتها مع أنّا نعلم بخطإ أحد الحكمين فلا فرق بين المقدمات العقلية والشرعية .
( قلت : إنّما نشأ ذلك ) .
أي : الاختلاف من جهة انضمام المقدمة العقلية الباطلة بالمقدمة النقلية الظنية ، أو القطعية ، فيرجع منشأ الاختلاف إلى انضمام حكم العقل ، وعدم الاكتفاء بالنقل فيجب أن نرفع اليد من حكم العقل ، إذ الخطأ يكون ناشئا منه .
( ومن الموضّحات ) لما ذكره المحدّث فيما تقدم من أنّه ليس في المنطق قاعدة تعصم من الخطأ في المادة ، اختلاف المشّائين والإشراقيين في أنّ تفرّق ماء كوز إلى كوزين هل