وهذا الوجه - كما ترى - جار في مطلق الظن ، بل في مطلق الأمارة غير العلمية وإن لم يفد الظن .
واستدل المشهور على الإمكان : بأنّا نقطع بأنه لا يلزم من التعبّد به محال .
وفي هذا التقرير نظر ، إذ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسّنة والمقبّحة وعلمه بانتفائها ، وهو غير حاصل فيما نحن فيه .
شرح
( وهذا الوجه - كما ترى - جار في مطلق الظن ، بل في مطلق الأمارة غير العلمية ) .
أي : أن هذا الوجه الثاني يجري في مطلق الظن من أيّ سبب نشأ الظن ، إذ تحليل الحرام وبالعكس بالمعنى المذكور لا يختص بالخبر ، بل يجري في مطلق الأمارة غير العلمية ، سواء كان مفيدا للظن الشخصي أو الظن النوعي أم لم يكن مفيدا له ، ثم يذكر المصنّف رحمه اللّه استدلال المشهور على الجواز قبل الجواب عن استدلال ابن قبة على عدم الجواز فيقول : ( واستدلّ المشهور على الإمكان : بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من التعبّد به محال ) .
وحاصل ما ذكره المشهور من عدم لزوم أي محذور من التعبّد بالظن أنّا نقطع بالوجدان بعدم لزوم محال أصلا من العمل بالظن ، مع وقوع العمل به كثيرا في الشرع ، ووقوع الشيء يكون أقوى دليل على إمكانه الوقوعي .
ثم يرد المصنّف رحمه اللّه هذا الاستدلال من المشهور بقوله : ( وفي هذا التقرير نظر ) .
وحاصل ما ذكره المصنّف رحمه اللّه ردّا لهذا التقرير أن هذا التقرير لا يوافق ما هو المدّعى إذ المدّعى هو إثبات الإمكان الوقوعي مطلقا . أي : واقعا وظاهرا ، والدليل المذكور يدل على ثبوته ظاهرا ، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى ، وذلك لأن عقل الإنسان لا يمكن أن يحيط بجميع الجهات المحسّنة والمقبّحة حتى يدرك عدم القبح في التعبّد بالظن أصلا ثم يحكم بإمكانه ، بل إحاطة العقل كذلك غير ممكنة ، فكيف يحكم بالقطع والوجدان بعدم استحالة التعبّد بالظن مطلقا مع أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود في الواقع ؟ ! نعم ، عدم الوجدان في الظاهر يدل على الإمكان الظاهري ، وهذا ليس المدّعى ، بل المدعى هو الإمكان مطلقا .
فالحاصل أن القطع بعدم لزوم المحال حتى في الواقع موقوف على إحاطة العقل بالجهات المقبّحة وعلمه بانتفائها ، وهو غير حاصل فيما نحن فيه .