تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المأمول — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والعمى مثلا فقد ألهمهم يعني ألهم المتكلّم النطق بهذا اللفظ مثلا عند إرادة هذا المعنى ، فاستعمل المتكلّم هذا اللفظ في هذا المعنى بعد إلهام اللّه له ذلك اللفظ له لمناسبة ذاتيّة بينه وبين المعنى اطّلع اللّه عليها وخفيت علينا . فباعتبار أنّ المناسبة تكوينيّة من الإنسان فليس أمرا جعليّا صرفا كما في وجوب الصلاة مثلا . وباعتبار أنّ الملهم هو اللّه تعالى فليس أمرا تكوينيّا صرفا كالجوع والعطش ، فهو أمر بين الحقيقي والاعتباري الجعلي ، ( وبهذا الاعتبار يصحّ إسناد الوضع إلى اللّه تعالى كما هو مقتضى قوله :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
« 1 » . وقد أيّد دعواه بأمرين : الأوّل : أنّ المعاني غير متناهية فالوضع لها غير متناه فلا يصدر من البشر . الثاني : أنّه لو صدر منهم لذكر الواضع ؛ لأنّه خدم البشر خدمة عظيمة ولم نر في التاريخ له أثرا مع عدم غرض في الإخفاء ) « 2 » . ففيه أوّلا : أنّ ما ذكرت من اعتبار المناسبة بين اللفظ والمعنى وإن كان أمرا ممكنا إلّا أنّه لا دليل على وقوعه . ودعوى لزوم الترجيح بلا مرجّح لولاه قد عرفت عدم قبحه حيث تكون المصلحة قائمة بما يشمله وغيره من أفراد تلك الحقيقة ، بل اختيار خصوص فرد من الأفراد مع فرض وفاء الجميع بالغرض ترجيح من غير مرجّح . وثانيا : أنّ ما ذكره قدّس سرّه من أنّه أمر بين الحقيقيّة والاعتباريّة لا نفهم معناه ؛ إذ إنّ الشيء إن كان له وجود في الخارج فحقيقي ، وإن لم يكن له وجود فاعتباري ، فجعل الوضع أمرا بين الأمرين لا نفهم له معنى ، فإن أراد أنّ كون الملهم هو اللّه هو الذي أدخله في الاعتباريّة باعتبار إلهامه فجميع الأفعال التي يفعلها البشر مستندة إلى إلهامه من حفر الآبار وغيرها ، بل وجميع العلوم أيضا كذلك وجميع الصناعات فهذا لا يخرجها عن كونها أمورا حقيقيّة .
هامش
( 1 ) البقرة : 31 . ( 2 ) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة .