تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة الأصول — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
اللّهمّ إلّا أن يقال : في دفع الإشكال حينئذ بأنّ اختلاف الوجوب والاستحباب ليس إلّا من قبيل اختلاف الرتبة مع تحقّق أصل الرجحان في حكميهما ، ومقتضى ذلك بقاء الرجحان فيها مع تبدّل رتبته بعروض الوجوب الغيريّ . ولكنّه متفرّع على كون الاستحباب والوجوب من باب الإرادة إلّا من باب البعث ، فإنّ الفارق بين الندب والوجوب حينئذ هو اختلاف الطلب فيهما بالشدّة والضعف . وأمّا إذا كان الوجوب والاستحباب من باب البعث فلا وجه لتصوّر الاشتداد فيه ، لأنّهما أمران اعتباريّان بسيطان ، والفارق بينهما بورود الترخيص وعدمه ، فيكون الندب منتزعا من الطلب المرخّص في تركه ، والوجوب منتزعا من الطلب غير المرخّص في تركه . ومع اختلافهما وتضادّهما لا مجال للأمر الاستحبابيّ بوجود الأمر الوجوبيّ ، إذ الترخيص في الترك ينافي عدم الترخيص في الترك . نعم ، لو قيل - كما في المستمسك - إنّ المقدّميّة دائما إنّما تقتضي سراية الحيثيّة الاقتضائيّة من ذي المقدّمة إلى المقدّمة ولا تقتضي سراية الحيثيّة اللّااقتضائيّة ، ولذا لا تجد التنافي بين إباحة الشيء وتحريم مقدّمته ، ولكن تجد التنافي بين إباحة الشيء وتحريمه ، فإنّ الإباحة لمّا كانت لا اقتضاء لا تسري من ذي المقدّمة إلى المقدّمة ليلزم التنافي بينها وبين تحريم المقدّمة . فالوضوء الذي يكون مقدّمة لغاية مندوبة لا يسري إليه الندب بذاته وقيده ، بل إنّما يسري إليه الندب بذاته لا غير ، وأمّا قيده - أعني جواز الترك - فإنّما يكون للوضوء لقصور ذات الندب في نظر العقل عن اقتضاء الإلزام لا بالسراية من الغاية المندوبة . ومثل هذه المرتبة من الطلب لا تنافي وجوبه الغيريّ الناشئ من مقدّميّته للغاية الواجبة ، إذ يمكن ان يكون حينئذ واجدا المرتبتين : إحداهما لا اقتضاء لها في المنع من الترك والأخرى لها هذا الاقتضاء ، فيمكن الإتيان به بداعي تلك المرتبة