نتيجة القطع
المصادر التي ينشأ منها القطع لا يبلغها احصاء . ولست بصدد تتبعها ونقدها في هذا الفصل ، بل بصدد القطع بالذات وأقسامه وبعض آثاره وكشفه عن الواقع في نظر القاطع . وليس من شك أن الكشف ذاتي في القطع ، وليس من صنع صانع وجعل جاعل تماما كالوجود بالنسبة إلى الموجود ، بل القطع هو الكشف بعينه عن المقطوع به ، ولذا عرفوا العلم بأنه معرفة المعلوم ، اما النتيجة الحتمية لهذا القطع والكشف فهي العمل بالمقطوع به ، لأن القطع يفرض نفسه على القاطع ، ولا يدع له عذرا يتعلل به مع الامكان والمقدرة : فان ترك واهمل ، وهذي هي الحال ، استحق الذم والعقاب . قال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : قطع العلم عذر المتعللين .
وتسأل إذا كان القطع يفرض نفسه على القاطع ، ويحتم عليه العمل بالمقطوع به - يكون معذورا أمام اللّه والناس ان هو أخطأ الحق والواقع ، وكان علمه وقطعه عمى وجهلا ! . ولا قائل بذلك .
الجواب :
تحدثنا عن القطع هنا وأثره بالنسبة للقاطع ، وهو لا يرى قطعه إلا حقا وصوابا ، ومن هنا تحتم عليه العمل بموجبه . وهذا لا يتنافى أبدا مع القول بأن الانسان يحاسب ويعاقب على تقصيره واهماله ، وعلى تعصبه الأعمى لآبائه وأجداده . ان اللّه سبحانه حمّلنا مسؤولية الدرس والبحث ، وبذل كل ما لدينا من طاقات عقلية في التفكير العلمي الجاد ، قال سبحانه من جملة ما قال حكاية عن أهل النار :
« وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
- 11 الملك » . ومعنى هذا ان الذي لا يستعمل عقله يعد مذنبا لأنه أهمل أسمى ما ميزه اللّه به عن غيره ، وهو العقل .
سؤال ثان : نسب إلى الأخباريين أو بعضهم القول بأنه لا وزن للقطع من حيث الأخذ والعمل بالمقطوع به إلا إذا حصل ونشأ من بديهة العقل أو دليل الشرع ، وأيضا نسب إلى أحد الأقطاب أن قطع القطّاع وشكه بمنزلة سواء ، فما رأيك في ذلك ؟ .