تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
عقلائيّا ، ولذلك لا بد أن نعرف الحيثية الكاشفة وكيفيّة دلالتها على المدّعى ، وعليه فنقول : وهذا الأصل العقلائي يقوم على أساس ما يخيّل لأبناء العرف - نتيجة التجارب الشخصيّة - من استقرار اللغة وثباتها ، فإنّ الثبات النسبي والتطور البطيء للغة يوحي للأفراد الاعتياديين بفكرة عدم تغيّرها وتطابق ظواهرها على مرّ الزمن . وهذا الإيحاء وإن كان خادعا ولكنّه على أيّة حال إيحاء عام استقرّ بموجبه البناء العقلائي على إلغاء احتمال التغيير في الظهور باعتباره حالة استثنائيّة نادرة تنفى بالأصل ، وبإمضاء الشارع للبناء المذكور نثبت شرعية أصالة عدم النقل ، أو أصالة الثبات ، ولا يعني الإمضاء تصويب الشارع للإيحاء المذكور وإنّما يعني من الناحية التشريعيّة جعله احتمال التطابق حجّة ما لم يقم دليل على خلافه . والمنشأ لهذا الأصل العقلائي هو أنّ العقلاء من أبناء اللغة والعرف يخيّل إليهم أنّ اللغة مستقرة وثابتة لما يشاهدونه بأنفسهم من خلال تجاربهم الشخصيّة واستقرائهم لظهور الألفاظ ودلالتها على معانيها ، فإنّ كل فرد منهم يتخيّل أنّ هذه اللغة الموجودة الآن والمعاني الموضوعة لها الألفاظ كانت ولم تتغير عن حالتها . والوجه في هذا التخيّل هو أنّ تغيّر اللغة وتطورها وإن كان حقيقة ثابتة وواقعيّة ، ولكن اللغة إنّما يحدث فيها التغير والتطور مع مرور الزمن وليس فجأة ، وهذا معناه أنّ الثبات نسبي أي أنّه موجود في حياة الفرد ؛ لأنّ التغير لا يتمّ إلا بوقت طويل . وعليه ، فكلّ فرد يتخيّل الثبات لما يحسّه بالوجدان . وهذا التخيّل مع التطوّر البطيء للغة يوحي للناس العاديين أنّ ظواهر اللغة ثابتة وغير متغيرة ، ولكن بالدقة والتحليل نجد أنّ التغير موجود ، إلا أنّ هذا الإيحاء وإن كان خادعا وخاطئا لكنّه يشكّل ظاهرة عامّة لدى كل الناس العاديين بأنّ الظواهر مستقرة ولذلك يبنون على إلغاء احتمال التغير أو يعتبرونه حالة نادرة واستثنائيّة ، فإذا شكّ في التغير في مورد ما يبنى على عدمه على أساس أصالة عدم النقل وعدم التغير وعلى أساس هذا الإيحاء بالثبات للغة . والشارع لاحظ هذا الأمر في حياة العقلاء ومع ذلك سكت عنه فهذا يكشف عن إمضائه وبالتالي نستكشف أن أصالة عدم النقل مقبولة شرعا والشارع أجاز التعبّد بها .