تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
معناه أنّه يستحيل الانفكاك عقلا ، بل قد ينفك لكنّه لم يقع خارجا ، أي أنّ المستحيل هو الإمكان الوقوعي لا الإمكان الذاتي المقابل للوجوب أو الامتناع العقليّين . ومن جهة أخرى : أنّ الملازمة العقلية بين شيئين معناها أنّه إذا وجد الملزوم وجد اللازم ويستحيل انفكاكه عنه كالعلة والمعلول والنار والحرارة ، فالملازمة معناها استحالة الانفكاك ، وهذه القضيّة لا تعني استحالة الانفكاك بل إنّ الانفكاك لم يقع ، أمّا أنّه مستحيل أو لا ، فهذا غير معلوم . فما نعلم به غير الملازمة لأنّ الملازمة معناها الاستحالة وما نعلم به هو عدم الانفكاك . وهذا العلم بعدم الانفكاك وأنّه لم يقع في الخارج ليس ناشئا من دليل عقلي على امتناع واستحالة الانفكاك ، بل هو ناشئ على أساس حساب الاحتمالات وتجمع القيم الاحتماليّة التي تزداد وتكبر لصالح الصدق وتتضاءل وتصغر لصالح الكذب ، إلى أن يزول احتمال الخلاف والكذب كما تقدّم ، فزوال احتمال الكذب والمخالفة للواقع كان على أساس حساب الاحتمالات المعتمد على المضعف الكمي والكيفي معا ولم يكن الزوال نتيجة برهان عقلي على استحالة الكذب ومخالفة الواقع ، ولذلك قلنا بأنّه ( إذا ثبت تواتر القضيّة ثبت صدقها ) فإنّ العلم بثبوت صدقها ناشئ من حساب الاحتمالات لا من دليل عقلي على استحالة الكذب ؛ ولذلك لا يحكم العقل باستحالة الكذب والمخالفة للواقع ، بل ذلك أمر ممكن لكنّه لم يقع في الخارج ، وهذان أمران متغايران فإنّ الاستحالة شيء وعدم الوقوع شيء آخر كما هو واضح . فالصحيح ربط كشف الإجماع بنفس التراكم المذكور ، وفقا لحساب الاحتمال ، كما هو الحال في التواتر ، على فوارق بين مفردات الإجماع بوصفها أخبارا حدسية ومفردات التواتر بوصفها أخبارا حسية ، وقد تقدّم البحث عن هذه الفوارق في الحلقة السابقة . وبهذا يتّضح أنّ الإجماع كالتواتر يعتمد على حساب الاحتمالات وتراكم القيم الاحتماليّة للصدق وتضاؤل القيم الاحتماليّة للكذب . فالإجماع يكشف عن وجود الدليل الشرعي على الحكم المجمع عليه على أساس حساب الاحتمالات كما سيأتي توضيحه .