تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
الأولى علّة للحادثة الثانية ، ولكن يحتمل في الوقت نفسه ألا تكون إحداهما علّة للأخرى ، بل هناك علّة أخرى غير منظورة كانت توجد صدفة كلّما اقترنت الحادثة الثانية بالأولى . وقلنا : إنّ تكرّر اقتران الحادثة الأولى والثانية يشكّل قيمة احتماليّة كبيرة لفرضيّة أنّ إحداهما علّة للثانية ، وفي الوقت نفسه تتضاءل وتتناقص القيمة الاحتماليّة لافتراض علّة أخرى غير منظورة كانت توجد صدفة عند كلّ اقتران بين الحادثتين ، وكلّما كان التكرار كثيرا جدّا ، وكلّما ازدادت التجارب كانت القيمة الاحتماليّة لافتراض العلّيّة أكبر وكانت القيمة الاحتماليّة لافتراض علّة أخرى غير منظورة أضعف ، حتّى تصل القيمة الاحتماليّة لفرض العلّة الأخرى غير المنظورة إلى درجة قريبة من الصفر وتزول تلقائيّا وعمليّا ؛ لأنّ الذهن البشري لا يحتفظ بهكذا قيم احتماليّة ضئيلة جدّا . وهذا الكلام ذاته يقال في القضايا المتواترة ، فإنّ كلّ إخبار من الإخبارات يشكل قيمة احتماليّة لصدق إخباره وكون المتكلّم الذي يحكي عنه بأنّه قال هذا الكلام قد صدر منه هذا الكلام واقعا وحقيقة . ولكن يحتمل أيضا أن يكون هذا الإخبار مخالفا للواقع ، وأنّ المخبر قد كذب وأخفى الواقع وغيّره وبدّله لمصلحة دعته إلى ذلك ، فإذا جاء إخبار ثان بنفس مضمون الخبر الأوّل كان ذلك يشكّل قيمة احتماليّة لفرضيّة صدق الخبر وصدور الكلام من المتكلّم أزيد ، وكان احتمال الكذب والخلاف أضعف ؛ وذلك لأنّ مبرّر الصدق في الخبرين واحد ، وهو صدور الكلام من المتكلّم واقعا ، ولذلك أخبر عنه الأوّل والثاني ، بينما مبرّر الكذب في الخبرين متعدّد ؛ لأنّ معناه أنّ مصلحة الأوّل في الكذب قد اقترنت صدفة واتّفاقا مع مصلحة الثاني في الكذب مع اختلافهما في الأهواء والمذاهب والاتّجاهات والأفكار والاعتقادات والأماكن ونحو ذلك . فإذا تكرّرت الإخبارات كثيرا ازدادت القيمة الاحتماليّة للصدق ؛ لأنّ مبرّرها واحد ، بينما تتضاءل القيمة الاحتماليّة للكذب ؛ لأنّ مبرّرات الكذب متعدّدة واقترانها فيما بينها ليست إلا صدفة واتّفاقا ، وكلّما كان هناك مبرّرات متعدّدة ومختلفة وغير متلازمة ومترابطة فيما بينها نطبّق قانون الضرب ممّا يؤدّي إلى تضاؤل القيمة الاحتماليّة لفرضيّة الكذب إلى درجة ضئيلة جدّا قريبة من الصفر .
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 136 | الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي