وأمّا الأمر الثاني : فقد ذكر المشهور « 1 » : أنّ الترخيص الشرعي في المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي غير معقول ؛ لأنّها معصية قبيحة بحكم العقل ، فالترخيص فيها يناقض حكم العقل ويكون ترخيصا في القبيح ، وهو محال .
ذكر المشهور أنّ الدليل على عدم إمكان سلب المنجّزيّة عن العلم الإجمالي والردع عن العمل به هو نفس الدليل المتقدّم في العلم التفصيلي وحاصله : أنّ الترخيص الشرعي في المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي يؤدّي إلى ترك الجامع المعلوم تفصيلا المتنجّز على المكلّف والداخل في عهدته بحكم العقل بلزوم الامتثال والإطاعة وحرمة المخالفة وكونها معصية قبيحة ، فيلزم من الترخيص في المخالفة الترخيص في فعل القبيح والمعصية ، ومن المستحيل صدور مثل ذلك من الشارع الحكيم ؛ لأنّه يناقض حكم العقل والشارع رأس العقلاء لا يحكم بما هو قبيح ومعصية عند العقل .
وهذا البيان غير متّجه ؛ لأنّنا عرفنا سابقا « 2 » أنّ مردّ حكم العقل بقبح المعصية ووجوب الامتثال إلى حكمه بحقّ الطاعة للمولى ، وهذا حكم معلّق على عدم ورود الترخيص الجادّ من المولى في المخالفة ، فإذا جاء الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي ، فلا تكون المخالفة القطعيّة قبيحة عقلا .
وعلى هذا فالبحث ينبغي أن ينصبّ على أنّه : هل يعقل ورود الترخيص الجادّ من قبل المولى على نحو يلائم مع ثبوت الأحكام الواقعيّة ؟
الجواب على ذلك هو : أنّ ذلك يعتمد على أمرين كلاهما غير صحيح :
الأوّل : أنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي منجّزيته فعليّة غير متوقّفة على شيء .
الثاني : أنّ حكم العقل بقبح المعصية والمخالفة ناجز وفعلي وليس معلّقا على شيء أيضا .
والصحيح أنّ العلم الإجمالي يختلف عن العلم التفصيلي في المنجّزيّة ، كما سيأتي بيانه . وحكم العقل بقبح المعصية والمخالفة مرجعه في الحقيقة إلى حقّ الطاعة للمولى ؛ بمعنى أنّ العقل إنّما يحكم بقبح المعصية ووجوب الامتثال والإطاعة رعاية لحقّ المولى ،
هامش
( 1 ) أجود التقريرات 2 : 241 ، مصباح الأصول 2 : 345 - 346 .
( 2 ) في الردّ على تصوّر المشهور بالنسبة إلى عدم إمكان الردع عن العمل بالقطع .