وحيرته ، فيكون ثالث بحث في علم الأصول هو الأصول العملية « 1 » ، ويكون عندنا استنباط قائم على أساس الأصل العملي مثل أصالة البراءة .
وأصالة البراءة هي القاعدة القائلة إن كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل قطعي أو ظني معتبر فلا أثر له على سلوك الإنسان وليس الإنسان ملزما بالاحتياط من ناحيته والتقيد به .
وبعبارة أخرى : كل شيء لا يعلم المكلف يقينا أنه واجب أو حرام فهو لا يدخل في ذمته وهو له مباح وحلال ، فكل شيء لا يعلم بأنه واجب فلا يجب
هامش
( 1 ) إذا كنت تسير في طريق وتريد أن تصل إلى مكان معين ، فتارة خمسون شخصا يقولون لك سر إلى اليمين ثم إلى اليسار ثم إلى اليمين إلى أن تصل إلى المكان المطلوب ، فقول الخمسين شخصا يعطيك القطع ، وهذا نظير الدليل القطعي الذي يعطيك قطعا بالطريق وتصل إلى المكان المطلوب قطعا ، وتارة أخرى يخبرك شخص واحد عن الطريق ، وخبر الواحد الثقة يعطيك ظنا بالطريق ، وإذا لم يكن عندك لا قطع ولا ظن بالطريق فيقول لك شخص أنه إذا لم يكن عندك لا قطع ولا ظن فكلما صادفك طريقان فخذ دائما الطريق الأيمن ، فهذا لا يعطيك قطعا ولا ظنا ، ويطلق على سلوك الطريق الأيمن دائما " الأصل العملي " لأنه لا يبين لك الطريق لا قطعا ولا ظنا ، ولكن يعطيك وظيفة عملية فقط ، فالأصل العملي لا يبين لك الحكم الشرعي بل يبين الوظيفة العملية لمن لا يستطيع الوصول إلى الحكم الشرعي ويكون الحكم الشرعي الواقعي عنده مجهولا ، فمثلا إذا شككت بين الطهارة والنجاسة فإنك لا تستطيع الوصول إلى الواقع لا بالقطع ولا بالظن فتبني على الطهارة بناء على أصالة الطهارة التي لا تعطيك الحكم الشرعي لا بالقطع ولا بالظن وإنما تبين لك الوظيفة العملية التي لا بد أن تقوم بها لأنه في هذه الحالة لا بد أن تأتي بعمل ما ، فإما أن تبني على الطهارة وإما على النجاسة ، والدين يسر وليس عسرا ، فيسهل الأمر على المكلفين ويقول أيها المكلف إذا شككت بين الطهارة والنجاسة فابن دائما على الطهارة ، ولا يمكن أن يقول الشارع عند الشك بين الطهارة والنجاسة بالبناء على النجاسة لأنه يؤدي إلى صعوبات على المكلفين ، وهنا يظل الواقع مجهولا عند المكلف ، فلا ندري واقعا أنه طاهر أو نجس .