وكان الاختلاف بين الفريقين على موضوعين مختلفين لا على موضوع واحد ، فالقائلون بجواز الاجتهاد يقولون بالجواز لمعنى ، والقائلون بحرمة الاجتهاد يقولون بالحرمة لمعنى آخر .
ولا بد أن نذكر التطوّر الذي مرّت به كلمة " الاجتهاد " ليتبيّن أن الخلاف الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط كان نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي والغفلة عن اختلاف معاني الكلمة عبر التاريخ .
إن الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد « 1 » ، والجهد هو " بذل الوسع للقيام بعمل ما " ، واستعملت هذه الكلمة لأول مرة على الصعيد الفقهي
هامش
الافتراق بين العترة والقرآن بمعنى أن القرآن لما كان المرجع فيه إليهم ، وأحكامه لا تؤخذ إلا منهم ، فهو لا يفارقهم ، وأنه لما كانت أفعالهم وأقوالهم مقتبسة من القرآن فهم لا يفارقونه ، وكيف كان فهذا الخبر الشريف ظاهر في ما دل عليه خبر الثقلين من أن الاعتماد ليس إلا على القرآن والأخبار وأن ما عداهما فهو ساقط عن درجة النظر إليه والاعتبار " .
( 1 ) الاستنباط معناه الاجتهاد للوصول إلى الحكم الشرعي ، فيأتي السؤال التالي : هل الجهد يكون بالضم أي الجهد ، أو بالفتح أي الجهد ، أو بالكسر أي الجهد ؟
الجواب :
من لسان العرب : الجهد والجهد : الطاقة ، وقيل : الجهد المشقة ، والجهد الطاقة ، وقال ابن الأثير : الجهد المشقة ، وقيل : المبالغة والغاية ، والجهد الوسع والطاقة ، وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة ، وأما في المشقة والغاية فالجهد لا غير ، وقال الأزهري : الجهد بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو على الجهد فيه ، تقول : جهدت جهدي واجتهدت رأيي ونفسي حتى بلغت مجهودي ، وقال الفراء : جهد الرجل في كذا أي جدّ فيه وبالغ ، والاجتهاد : بذل الوسع والمجهود في طلب الأمر ، وهو افتعال من الجهد والطاقة . انتهى .
من الواضح من لسان العرب أن الاجتهاد ليس مأخوذا من الجهد - بالكسر - لأن الجهد لم يرد في اللغة ، فيبقى عندنا الاحتمالان الآخران : الجهد والجهد .