تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات الأصول في اصول الفقه — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وهذا التقريب منهم من البراهين المسلّمة الواضحة على أنّ حضور المعنى في الذهن من اللفظ إنّما يكون من البديهيات بلا احتياج إلى التفكّر ، بل هذا الانتقال والتصوّر من اللفظ عند سماعه بلغ من الوضوح إلى حدّ المحسوسات غير القابلة للإنكار ، فيكون المعنى في الذهن معلول مجرّد سماع اللفظ عند الاستعمال فقط . خلافا لجماعة من المحقّقين حيث ذهبوا إلى الثاني ، أعني انحصار الدلالة الوضعيّة بالدلالة التصديقية « 1 » ، والحقّ أنّ هذا القول أقرب إلى التصديق عند صاحب النظر الدقيق لا القول الأوّل . وتقريب ذلك على ما تقدّم من مسلكنا في بيان معنى الوضع - بأنّه عبارة عن التعهّد والالتزام - لا يحتاج إلى البرهان والاستدلال ، بل هو من أوضح الواضحات ؛ إذ من البديهي أنّه لا مفهوم للالتزام بكون اللفظ دالّا على معناه ولو وقع في كلام من لا شعور له بكلامه ، كما إذا صدر منه في حال النوم والغشية بلا قصد واختيار ، بل نظير ما إذا صدر هذا الصوت من ذلك اللفظ من وقوع حجر على الآخر ؛ إذ من البديهي أنّ هذا السنخ من الدلالة خارج عن حيطة الاختيار ، فكيف يعقل أن يكون متعلّقا للعهد والالتزام . فعندئذ لا مفرّ إلّا بالالتزام بانحصار علقة الوضعية بالدلالة التفهيمية والتصديقية التي تنطبق على خصوص صورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته منه عند استعماله ، بلا فرق بين ما كانت الإرادة تفهيمية مختصّة فقط ، أم جدّية معها أيضا ، إذ أنّ ذلك المعنى إنّما يكون أمرا اختياريا قابلا لأن يتعلّق به العهد والالتزام بالوضوح والإشراق . وقد تقدّم أنّ اختصاص الدلالة الوضعية
هامش
( 1 ) منهم المحقّق الحائري قدّس سرّه في الدرر 1 : 24 ، الطبعة الجديدة .