تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الأصول — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
بحضوره في النفس . إذا عرفت هذا فنقول : العلم بالحكم متوقف على العلم بموضوعه بمقتضى المقدمة الأولى ، وحيث إن موضوعه هو نفس العلم بالحكم على المفروض من كون القطع بالحكم مأخوذا في موضوع ذلك الحكم شرطاً ، فيتوقف العلم بالحكم على العلم بالعلم بالحكم الذي هو موضوعه ، وحيث عرفنا في المقدمة الثانية ان العلم بالعلم من اقسام العلم الحضوري ، وبحصول نفس العلم في الذهن لا بحصول صورة منه ، فيتضح لزوم الدور في المقام . هذا هو الدليل الرابع على الاستحالة ، واعتمادنا على هذا وعلى الدليل الثاني الوجداني . ثم إنه على فرض عدم امكان اخذ القطع بحكم شرطا في نفس ذلك الحكم ، فلو صدر كلام عن الشارع أخذ فيه القطع بحكم شرطا في نفس ذلك الحكم ، وتعلق غرض المولى بأخذ القطع بحكم في موضوع ذلك الحكم شرطا ما المهرب عن الاستحالة في مثل هذا الكلام ؟ وأي شيء نصنع به ؟ . فنقول : ان للحكم مرتبتين على ما بين في بحث الواجب المطلق والمشروط ؛ مرتبة الجعل ، ومرتبة المجعول ، فمثلا في صدر الاسلام حين كان المسلمون فقراء وغير مستطيعين نزلت الآية الشريفة وهي قوله تعالى :
( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )
( 1 ) فشُرِّع وجوب الحج لكن لم يكن فعليا في حق أحد من المسلمين لعدم وجود شرطه ، وهو الاستطاعة فيهم ، وكان بحيث إذا سئل كل واحد منهم بأنه يجب عليك الحج ؟ يقول : لا ، إلى أن مضى سنين وغزا المسلمون الغزوات المشهورة ، واخذوا الغنائم من الحروب ، وصاروا مستطيعين فصار وجوب الحج فعليا بالنسبة إليهم ، فحجوا مع رسول الله ( ص ) في السنة الأخيرة من عمره حجة الوداع ، فوجوب الحج من زمن نزول الآية مشرع بالنسبة إليهم ، ولكن فعليته كانت حين استطاعتهم من جهة أخذ غنائم الحرب ، والزمان الأول كان مرتبة الجعل ، والثاني كان مرتبة المجعول . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 97 .