فالتعريف المذكور لا ينطبق على الأحكام :
أمّا على القول المختار بأنّ الأحكام عبارة - مثلًا - عن البعث والزجر المنشأين بالآلات والأدوات فواضح جدّاً ؛ لأنّ البعث والزجر بالهيئة الدالّة عليهما إنّما هو بالمواضعة والاعتبار ، وهما ليسا من الأمور الوجودية الحالّة في موضوعها الخارجي ، بل أمور اعتبارية عقلائية ، وهم يرون البعث بالهيئة مكان البعث التكويني ، لكن بحسب الوضع والاعتبار القائمين بنفس المعتبر ؛ قياماً صدورياً .
وأمّا على القول بكونها عبارة عن الإرادات أو عن الإرادات المظهرة - كما اختاره بعض محقّقي العصر رحمه الله « 1 » ، وقد أوعزنا إلى دفعه سابقاً « 2 » - فكذلك أيضاً ؛ لأنّ الشرط - كما أسمعناك - كون الأمرين الوجوديين داخلين تحت جنس قريب .
وعليه لا بدّ أن يكونا نوعين مستقلّين ، مع أنّ إرادة البعث والزجر داخلتين تحت نوع واحد ، ومعه كيف تصيران متضادّتين ؟
فإن قلت : إنّ مبدأ الأمر - وجوبياً أو ندبياً - وإن كان هو إرادة البعث ، على ما هو التحقيق من أنّ الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلّا بالبعث والتحريك ، لا بصدور الفعل من الغير ، إلّا أنّ مبدأ النهي هو الكراهة ، وهما ليستا من نوع واحد .
قلت : الكراهة ليست بمبدإ قريب للنهي ، بل المبدأ القريب هو إرادة الزجر ؛ وذلك لأنّ الكراهة والاستقباح في مقابل الشوق والاستحسان ، فكما أنّ اشتياق صدور شيء من المكلّف ربّما يصير مبدأ لحدوث إرادة البعث نحو المطلوب ، كذلك
هامش
( 1 ) - نهاية الأفكار 1 : 302 ، بدائع الأفكار ( تقريرات المحقّق العراقي ) الآملي 1 : 345 .
( 2 ) - تقدّم في الجزء الأوّل : 320 .