اجتماع الوجوب والاستحباب . . . وهكذا ، وهو اجتماع الضدّين في موضوع واحد ؛ لتضادّ الأحكام الخمسة ، وهو ناشٍ عن التعبّد بالأمارات .
وفيه : أنّ الضدّين أمران وجوديّان غير متضايفين ، يتعاقبان على موضوع واحد ، ولا يجتمعان ، بينهما غاية الخلاف « 1 » .
ولا ريب في أنّ الوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام الشرعيّة ، أمور اعتباريّة منتزعة عن البعث والزجر ، اللذين يُنشئهما الحاكم بهيئة الأمر أو النهي الموضوعتين لذلك ، وهذا الأمر الاعتباري له إضافة اعتباريّة إلى المأمور به ، وإضافة اعتباريّة إلى الآمر ، مع أنّ الضدّين أمران وجوديّان حقيقيّان ، كما عرفت ، والأحكام ليست كذلك ، ولا بدّ من حلولهما في موضوع واحد متعاقباً ، وليس الوجوب والحرمة وغيرهما حالّين في المتعلّق ، بل لهما نحو إضافة اعتباريّة إليه ، كما عرفت .
فما قيل : من أنّ الأحكام متضادّة بأسرها « 2 » ، غيرُ مستقيم ؛ ألا ترى أنّه قد يأمر الأب ابنه بشيء ، وتنهاه الامّ عنه في زمان واحد ، فيصير واجباً ومحرّماً ، فلو كان بين الأحكام تضادٌّ لما أمكن ذلك ، كما لا يمكن اجتماع السواد والبياض في موضوع واحد وإن تعدّد موجدهما ، فهذا الإشكال - أيضاً - ليس بشيء .
وإنّما المهمّ من الإشكالات المذكورة هو لزوم اجتماع الإرادتين اللّتين تعلّقت إحداهما بالحكم الواقعي ، وثانيتهما بالحكم الظاهري .
بيان ذلك : أنّه لو فُرض أنّ لصلاة الجمعة حكماً من الأحكام كالحرمة ، فتتعلّق إرادة المولى بتركه ، وهذه الإرادة تُنافي الترخيص في العمل بالأمارة التي قد تُؤدّي إلى وجوبها أو استحبابها أو غيرهما ، وكذلك تُنافي إمضاء الشارع بناء العقلاء وطريقتهم على العمل بها والسكوت وعدم الردع عنه ، وكذلك جعلها طريقاً وكاشفاً ،
هامش
( 1 ) - الأسفار 2 : 112 - 113 .
( 2 ) - قوانين الأصول 1 : 142 ، كفاية الأصول : 193 .