الثالث قال : سألته وقلت : من أعامل ، وعمّن آخذ ، وقول من أقبل ؟ فقال له :
( العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي ، فاسمع له وأطع ، فإنّه الثقة المأمون )
« 1 » ، فإنّ الرواة الواقعين في سلسلة سند هذه الرواية ممّا اتّفق على توثيقهم العلماء ، ولا غمزَ لأحدٍ فيهم ، ولا ريب أنّ القدر المتيقّن من بناء العقلاء هو العمل بمثل هذا الخبر ، الدالّ على أنّ حجّيّة خبر مطلق الثقة مفروغ عنه من حيث التعليل بقوله عليه السلام :
( فإنّه الثقة المأمون )
، فلا يرد عليه : أنّ هذا الخبر يدلّ على حجّية خبر خاصّ ، وهو الثقة عند الإمام عليه السلام بقوله عليه السلام :
( العمري ثقتي )
« 2 » ؛ وذلك لأنّ التعليل المذكور فيها يدلّ على مفروغيّة حجّيّة خبر مطلق الثقة ، فهو نظير : « لا تشرب الخمر ؛ لأنّه مُسكر » .
فإن قلت : فلِمَ أنكرتم على المحقّق الخراساني في دعواه التواتر الإجمالي ووجودَ خبرٍ هو أخصّ الأخبار المذكورة ، المعلوم إجمالًا صدور بعضها ؛ بناء على تسليم التواتر الإجمالي ، فإنّ الرواية المذكورة كذلك ، وقد دلّت على حجّيّة خبر مطلق الثقة ؟
قلت : وذلك لأجل أنّه على فرض ثبوت التواتر الإجمالي بين هذه الأخبار لا بدّ أن يؤخذ بناء على ما ذكر بأخصّها مضموناً ، وأخصّها كذلك بين الأخبار هو مثل الرواية التي سأل الراوي فيها من الإمام عليه السلام : عمّن آخذ معالم ديني ؟ فقال مشيراً إلى زرارة :
( فعليك بهذا الجالس )
« 3 » ، فإنّ غاية ما يدلّ هذه الرواية هو اعتبار
هامش
( 1 ) - الكافي 1 : 265 / 1 ، وسائل الشيعة 18 : 100 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 4 .
( 2 ) - وفي الاستدلال بهذه الرواية نظر ، فإنّه عليه السلام علّل بقوله :
( فإنّه ثقتي )
بإضافة الثقة إلى نفسه الشريفة ، لا أنّه ثقة ، فإنّ الثاني نظير « لأنّه مسكر » . المقرّر حفظه اللَّه .
( 3 ) - اختيار معرفة الرجال 1 : 347 / 216 ، وسائل الشيعة 18 : 104 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 19 .