كلاهما حجّة ، والخبر المخالف للمشهور ليس بحجّة .
وممّا يشهد لما ذكرناه : أنّهم لم يذكروا روايتي موسى بن أكيل « 1 » وداود بن الحصين « 2 » ، المتضمّنتين لتقديم الأفقه والأورع والأعدل من الحَكَمين المختلفين في باب التعارض ، مع ذكرهم روايات « 3 » اخر تدلّ على ترجيح ما يُخالف العامّة ويوافق الكتاب فيه ، فيعلم من ذلك أنّ هذه الأوصاف ليست من مرجّحات أحد الخبرين ، بل الحكمين ، نظير الأصبح وجهاً في تقديم أحد الإمامين للجماعة .
وقوله عليه السلام :
( ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا المُجمع عليه )
، فالظاهر أنّ المراد تقديم ما هو الأشهر بحسب الفتوى ؛ يعني الرواية التي أفتى المشهور بمضمونها ، فإنّ المتبادر من هذه الجملة هو ذلك ، لا الشهرة الروائيّة ولو مع فتوى المشهور على خلافها .
ويدلّ عليه : قوله :
( فإنّ المُجمَع عليه لا ريب فيه )
، فإنّ الذي يصحّ نفي الريب عنه هو الخبر الذي أفتى المشهور على طبقه ، لا الخبر الذي رواه المشهور ، لكن فتواهم على خلافه ، فإنّه لا يصحّ نفي الريب عنه ، فإنّ فيه كلّ الريب .
وكذلك قوله عليه السلام :
( إنّما الأمور ثلاثة . . . )
الخ ، فإنّ الخبر الذي رواه المشهور مع كون فتواهم على خلافه ، هو بيّن الغيّ أو مشتبه ، بخلاف الخبر الذي تطابقه فتوى المشهور ، فإنّه بيّن الرشد ، ومخالفه بيّن الغيّ ، وكذلك الحلال البيّن والحرام البيّن إنّما هو في المشهور بحسب الفتوى ، لا مجرّد الشهرة بحسب الرواية ، فإنّه مشكل
هامش
( 1 ) - تهذيب الأحكام 6 : 301 / 844 ، وسائل الشيعة 18 : 88 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 45 .
( 2 ) - تهذيب الأحكام 6 : 301 / 843 ، وسائل الشيعة 18 : 80 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 20 .
( 3 ) - الكافي 1 : 55 / 1 - 4 ، وسائل الشيعة 18 : 84 - 86 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 29 - 35 .