وفيه : أنّه يكفي في المرجّحيّة اختيارُ الواضع لفظاً خاصّاً لمعنىً خاصّ ، وترجيحه له لبعض المناسبات والجهات الموجودة في نظر الواضع ولو لم تكن ذاتيّة ، مع أنّ لزوم الترجيح بلا مرجّح - مع قطع النظر عن ذلك أيضاً - ممنوع .
هذا ، مع قيام البرهان على خلافه ، فإنّا لو فرضنا معنىً بسيطاً من جميع الجهات ، وُضعت له ألفاظ متعدِّدة ، مثل « اللَّه » تعالى في اللّغة العربيّة ، ولفظ « خدا » في الفارسيّة ، ونحو ذلك في اللّغات الاخر ، فلو كان لكلّ من هذه الألفاظ مناسبة ذاتيّة مع الذات المقدَّسة ، للزم وجود جهات عديدة فيه تعالى ، وهو خلاف فرض أنّه تعالى بسيط من جميع الجهات .
وقد يُقال : بتحقّق المناسبة بينهما بعد الوضع بسببه .
قال في « الدرر » : الوضع عبارة عن التزام الواضع وتعهّده بأنَّه متى أراد إفهام الغير لمعنىً تكلّم بلفظ كذا ، فإذا التفت المخاطب إلى هذا الالتزام ، ينتقل إلى ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ منه ، فوجود العلاقة بين اللّفظ والمعنى نتيجة ذلك الالتزام « 1 » .
لكن قد عرفت أنّ الوضع ليس إلّا عبارة عن جعل اللّفظ للمعنى ، وأمّا الالتزام المذكور في كلامه فهو من المُستعملين ، لا من الواضع .
وقال في « الكفاية » : الوضع نحو اختصاص للّفظ بالمعنى وارتباطٍ خاصّ بينهما ناش من تخصيصه به تارةً ، وكثرة استعماله فيه أخرى « 2 » .
وقال في موضع آخر ما حاصله : أنّ قُبح المعنى وحسنه يسريان إلى اللّفظ ويصير حَسناً أو قبيحاً ؛ لأنّ اللّفظ يصير فانياً فيه عند الاستعمال « 3 » انتهى .
وقد عرفت ممّا ذكرنا الجواب عن ذلك ، وما ذكره من السراية ممنوع ، واشمئزاز
هامش
( 1 ) - درر الفوائد : 35 .
( 2 ) - كفاية الأصول : 24 .
( 3 ) - المصدر السابق : 53 .