العقلائية موجود في ذهنه هو أيضاً ، وحينئذٍ نقول : لا ريب أنّ الوصول بخبر الثقة عقلائي وليس بعقلي ، وذلك لا يكون إلّا باعتبار العقلاء خبره وصولًا للواقع وكاشفاً عنه بإلغائهم احتمال الخلاف فيه .
فما ذكره هنا منقوضٌ بما ذكره من قبل .
والحق في الطرق والأمارات هو : مجعوليّة طريقيّتها من قبل الشارع ، بمعنى إمضائه للسيرة العقلائية فيها ، والحجيّة متفرّعة على الطريقيّة .
وأمّا ما ذهب إليه في الأصول غير المحرزة ، فهو أمتن الوجوه المذكورة فيها ، وتوضيحه بتقريب منّا هو :
إن الإباحة تارةً : تنشأ من عدم الملاءمة مع طبع المولى ، وأخرى : من مصلحة في نفسها ، وكلاهما ممكن ثبوتاً وإثباتاً ، والفرق أنّ الأولى تنشأ من أمر عدمي ، والثانية من أمر وجودي . فهذه مقدّمة .
والمقدّمة الثانية هي : إنّ الأحكام تلحظ في أنفسها ومباديها ونتائجها ، فهو ينشأ من الإرادة والكراهة ويترتب عليه الإطاعة والعصيان ، وبعبارة أخرى : إنّ الحكم ينشأ من إرادة المولى وكراهية المولى ، ثمّ له الفاعلية في إرادة العبد وكراهيّته .
والحكم اعتبار ، والاعتبار ليس بموضوع للتناقض والتماثل ، ولذا يمكن البعث الاعتباري والزجر الاعتباري في الآن الواحد للشيء الواحد ، وإنما المحذور يكون في المنشأ وفي النتيجة ، أمّا في الأحكام أنفسها ، فلا يوجد التضادّ أصلًا .
ثم إنّ الإرادة والكراهة أمران تكوينيان ، والإباحة أمر اعتباري ، والاعتباري
تحقيق الأصول — صفحة 353
مساهمون: السيد علي الحسيني الميلاني
ص٣٥٣