تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
خلافها ، فمن أين يعرف حال ذلك العاقل الأول ، وانّه كان يدرك الحسن والقبح أم لا ، نعم نحن نجزم بأنّه كان يدرك قياسا على أنفسنا ومن خلال وجداننا ، وهذا الوجدان هو الأساس في اعتقادنا بأنّ ذاك العاقل كان يدرك الحسن والقبح ، وعليه ، فالأصل في هذه الدعوى هو الوجدان ، وحينئذ فإن قبلنا هذا الوجدان ، إذن فلندّعه من أول الأمر ، وإن لم نقبله ، فلا يتمّ هذا البرهان ، لعدم علمنا بأنّ العاقل الأول كان يدرك الحسن والقبح أم لا . ولكن الوجدان - كما عرفت - قائم على وجود حسن وقبح ، وهذا الوجدان لم ينكره الأرسطيّون أنفسهم على ما يصرح به أرسطو نفسه ، وابن سينا « 1 » في منطق الشفاء ، حيث يقولون إنّ القضية المشهورة قضية تستبطن تصديقا جازما ، وهذا لا معنى له إلّا إذا فرض واقع مرئي بهذه القضية ، هذا من ناحية وجدانية . وأمّا من ناحية برهانية واستدلالية ، فيمكننا نقض هذه الفرضية بما حاصله : هو انّ هذه الفرضية تربط بين الحسن والقبح وبين إدراك المصالح والمفاسد ، فتعتبر انّ حكم العقلاء بالحسن والقبح تابع لإدراك المصلحة والمفسدة ، بينما هذا لا يفسّر وجداناتنا الأخلاقية « 2 » في باب الحسن والقبح ، فإنّ وجداناتنا تبرهن على أنّ الحسن والقبح مستقل بنفسه وأجنبي عن باب المصالح والمفاسد ، ومن جملة هذه الوجدانات المنبهة على ذلك هو ما أبرزناه في بحث التجري حيث قلنا إنّ قبح التجري والعصيان على نحو واحد ، إذ وحدة درجة القبح في شارب الخمر عصيانا وفي شارب الخل متوهما أنّه خمر ، مع عدم وحدة درجة المفسدة يكشف عن أنّ القبح غير المفسدة ، فإنّه من الواضح انّ مفسدة
هامش
( 1 ) منطق الشفاء : ابن سينا ، ج 3 ، ص 63 ، 64 ، 66 . و 120 ، 121 ، 122 . ( 2 ) منطق الشفاء : ج 3 ، ص 65 ، 66 ، 67 . النجاة : ابن سينا ، ص 29 ، 37 ، 38 .