2 - القسم الثاني ، هو : كذلك ، بأنّ يكون للمقدمة فردين : أحدهما مباح ، والآخر محرّم ، إلّا أنّ المقدمة انحصرت بالفرد المحرّم ، لا بسوء اختيار المكلّف ، كما لو انحصر إنقاذ الغريق بالمشي في الأرض المغصوبة ، لا بسوء اختيار المكلف .
وفي مثل ذلك ، يقع التزاحم بين دليل حرمة هذه المقدمة ، وبين دليل وجوب إنقاذ الغريق ، حيث لا يمكن بقاء المقدمة على حرمتها ، والإنقاذ على وجوبه ، وبعد تطبيق قواعد التزاحم ، يقدم وجوب الإنقاذ ، لأنّه أهم بنظر المولى ، وحينئذ يسقط خطاب حرمة المقدمة ، وهو خطاب حرمة الغصب ، وبذلك تزول حرمة المقدمة ، وحينئذ يسري الوجوب الغيري إليها ، بناء على الملازمة .
3 - القسم الثالث : هو : ما إذا كان للمقدمة فردين : أحدهما محرم ، والآخر مباح ، وانحصرت المقدمة بالفرد المحرم بسوء اختيار المكلّف ، كما هو محل كلامنا .
ففي مثله ، لا تتصف هذه المقدمة بالوجوب الغيريّ ، حتى بناء على الملازمة ، لأنّ هذه المقدمة محرمة حرمة نفسيّة ، وهذه الحرمة لم تسقط كما كانت تسقط في القسم الثاني ، فإنّ سقوطها في القسم الثاني ، إنّما هو باعتبار التزاحم كما عرفت .
وأمّا هنا فلا تزاحم بين النّهي عن المقدمة ، وبين وجوب ذي المقدمة ، لأنّ هذا النّهي ، وإن سقط بعد انحصار المقدميّة بهذه المقدمة المحرمة ، فالنّهي هنا استنفذ غرضه ، كما عرفت سابقا ، فيسقط ، إلّا أنّ سقوطه سقوط عصياني .
وعليه : فلا يكون هذا النّهي مزاحما لوجوب ذي المقدمة ، لأنّه قبل سقوط هذا النّهي ، لم يكن هذا الفرد مقدمة بنظر الشارع ، كي يزاحمه وجوب ذي المقدمة ، وبعد أن أصبح هذا الفرد مقدمة ، سقط النّهي عنه ، وبعد سقوطه ، لا يتصور مزاحمته ، لوجوب ذي المقدمة .
بحوث في علم الأصول — صفحة 507
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٥٠٧