تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في علم الأصول — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
مستوى عالم الجعل والباعثيّة وإشغال العهدة . إذ هنا عالمان : 1 - عالم الحب والبغض المسمّى بعالم مبادئ الوجوب : في هذا العالم لا بأس بأن يكون غرض المولى متمثلا في حبّه دفن الميّت ، من دون أن ينظر إلى المكلّفين . فلو أنّ غرابا وارى هذا الميت لحصل المحبوب ، لأنّه غير مشروط بدفن الإنسان له ، مضافا إلى أنّ المصلحة قائمة بذات الدفن دون أن يكون لصدور الدفن من مكلف دخل في المصلحة ، حيث لا يلزم أن يكون هناك من يجب عليه هذا الفعل ، وإن كان الحب من الصفات الإضافية التي تحتاج إلى متعلق « يحب » . فهو مضايف مع المحبوب ، إذن فعدم وجود موضوع للوجوب الكفائي بحسب عالم الحب ، أمر معقول . 2 - عالم الخطاب والباعثيّة والتحريك : فالأمر غير معقول ، لأنّ الباعثية مضايفة للمبعوث ، لا للمبعوث عنه ، إذ لا يتصور باعث بلا مبعوث ، ولو كان هناك مبعوث نحوه ، وكذلك إشغال العهدة فإنّه بغير ذي عهدة ، أمر غير معقول إذ لا بدّ من فرض ذي عهدة لكي تشتغل بذلك عهدته ، فاشتغال العهدة مضايف مع من تشتغل عهدته . إذن فلا يعقل في هذا العالم افتراض باعثيّة وتحريك من دون طرف هو المكلّف . ومن هنا كان فرض الوجوب الكفائي بلا موضوع على مستوى الجعل والخطاب ، غير معقول . بل حتى لو تنازلنا عن ذلك فافترضنا - في أحسن الحالات - أنّ تعلّق التكليف بالفعل بلا مكلّف ، أمر معقول ، فكما قلنا في عالم الحب ومبادئ الحكم : إنّ هذا يكفي في إشغال العهدة بحكم العقل ، كذلك نقول هنا في عالم الخطاب والتحريك . أقول : حتى لو قلنا بذلك ، فإنّنا نحتاج إلى الرجوع إلى بعض التفاسير التي تقدمت في تفسير الوجوب الكفائي وكيفية اشتغال العهدة بشكل يتناسب مع خصائص الوجوب الكفائي التي ذكرناها . وعليه ، فهذا الفرض غير تام ، بعد أن عرفت الصحيح منه .