قصد امتثال الأمر الأول ، ولازم ذلك ، أن يؤخذ في موضوعه وصول الأمر الأول ، ولا محذور في ذلك ، إذ غايته ، أن فعلية الأمر الثاني تتوقف على فعلية وصول الأمر الأول ، لا أن فعلية الأمر الأول تتوقف على وصول شخص ذلك الأمر ، وبهذا يندفع الوجه الأول لو تمّ هذا البيان في نفسه ولم يرد عليه محذور آخر .
وأمّا التخلص من محذور الوجه الثاني الذي كان يرى لزوم التهافت في عالم لحاظ المولى وعالم جعله ، فهو ممكن أيضا بنفس بيان التخلص الأول ، حيث يقال ، إن المولى حينما أمر بالصلاة أولا لم يأخذ في معروض أمره هذا ، قصد امتثال الأمر ، ولكن حينما أمر ثانيا أخذ في المعروض قصد امتثال الأمر الأول ، فالمولى هنا ، يرى تحصّل وتعقّل الأمر الأول قبل الأمر الثاني ، لا أنه يرى نفس تحصّل الأمر الثاني قبل الأمر الثاني ليلزم منه كون الملحوظ متأخرا ملحوظ متقدما ويلزم التهافت في اللحاظ ، إذن فلا تهافت ولا إشكال .
لكن لو تجاوزنا هذين الوجهين من وجوه الاستحالة ، وتعقّلناهما ، فإنّ الوجه الثالث والرابع يفسدان طريقة تعدّد الأمر للتخلص من هذه المشكلة .
وذلك لأن ما بينّاه في الوجه الثالث يجري في المقام حرفا بحرف ، وذلك لأن الأمر الثاني والأمر الأول ، وإن فرضا أنهما مجعولين بجعلين وإنشاءين ، لكن روحهما أنهما أمران ضمنيان ، يعني أنهما ناشئان من غرض واحد وملاك واحد ، غاية الأمر أن المولى لم يمكنه أن ينشئ إنشاء واحدا على طبق غرضه لئلّا يقع المحذور ، فيعمد إلى إنشاء إنشاءين وجعل جعلين دون أن يتغيّر في كون مرجعهما الغرض الواحد والملاك الواحد .
ومن هنا قلنا سابقا أنه إن كان الأمر الأول كافيا للمحركيّة نحو ذات الصلاة ، إذن فالأمر الثاني لا يعقل محركيته لا تأسيسا ولا تأكيدا ، أمّا تأسيسا فواضح ، وأمّا تأكيدا ، فلأنه وإن كان مجعولا بجعل مستقل ، لكنه ليس وراءه ملاك مستقل ليكون من باب التأكد في الملاكات والأغراض ، بل الأمر الثاني يعبّر عن نفس ما يعبّر عنه الجعل الأول من الملاك والغرض ، إذن فكما لا
بحوث في علم الأصول — صفحة 244
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٢٤٤